يتعجب بعض منظري الشيعة، كعماد الدين الطبري، من إمامة رجل يعترف بأن له شيطانًا يتسلط عليه؛ معتبرين أن هذا التصريح يسقط أهليته للاقتداء؛ لأنه غير معصوم وقد يظلم الناس تحت تأثير الشيطان (كامل البهائي، عماد الدين الطبري، 1/384).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية من الناحية الحديثية
هذه المقولة لم تصح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد جاءت من طريقين كلاهما تالف:
الطريق الأول: رواه ابن سعد في (الطبقات)، وهو منقطع (مرسل)؛ لأن الحسن البصري لم يدرك أبا بكر. ومراسيل الحسن عند المحدثين ضعيفة جدًا، وقد وصفها الإمام الألباني بأنها "كالريح" لا تقوم بها حجة (الموقظة، الذهبي، ص 6؛ وسلسلة الأحاديث الضعيفة، الألباني، 12/666).
الطريق الثاني: رواه ابن عساكر، وفي سنده "يحيى بن سلمة بن كهيل"، وهو راوٍ متروك. قال عنه الإمام البخاري: «في حديثه مناكير»، وقال عنه النسائي: «متروك الحديث»، ووصفه ابن حجر بأنه: «متروك، وكان شيعيًا» (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 3/196؛ وتقريب التهذيب، ابن حجر، 1/591).
وعليه؛ فالحجة تسقط بسقوط مصدرها.
ثانيًا: المعنى الصحيح للكلام (بفرض صحته)
لو افترضنا جدلًا أن الصديق قال ذلك، فإنه يقصد "الغضب" الذي يعتري البشر؛ فكل إنسان معه قرين من الجن يحاول استغلال لحظات غضبه.
لقد أراد الصديق -بقمة تواضعه وحرصه على العدل- أن ينبه الرعية قائلًا: إذا رأيتموني غضبت فابتعدوا عني حتى لا أظلم أحدًا؛ وهذا منتهى الورع والتقوى. فهل يُلام الحاكم لأنه يخشى الله في رعيته؟ كما أن وجود الشيطان وقرينه أمر ثابت للجميع بنص القرآن: "قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ" [ق: 27].
وقد فسر علماء الشيعة "القرين" هنا بأنه الشيطان الموكل بالإنسان (التفسير الصافي، الفيض الكاشاني، 5/62).
ثالثًا: هل يقدح عرض الشيطان في مقام الإمامة؟
يوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الكلام من أعظم فضائل الصديق؛ لأنه يدل على أنه لم يطلب الرياسة لعلوٍ في الأرض، بل كان يطلب من الناس تقويمه إذا زاغ. والشيطان الذي يعتريه يعتري جميع البشر؛ حتى الأنبياء ذكر القرآن تعرض الشيطان لهم كما في قصة آدم وحواء: "فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ" [البقرة: 36].
فإذا كان وسوسة الشيطان لا تقدح في نبوة الأنبياء، فكيف تقدح في إمامة الخلفاء؟ (منهاج السنة النبوية، 5/461 - 463).
رابعًا: إلزام الشيعة من أدعية واعترافات أئمتهم
من التناقض أن يشنع الشيعة بهذا الكلام على الصديق، بينما تمتلئ كتبهم بما هو أشد منه في حق أئمتهم!
السجاد يشكو الشيطان: نجد في (الصحيفة السجادية) أن الإمام علي بن الحسين يقول: «إِلَهِي أَشْكُو إِلَيْكَ عَدُوًّا يُضِلُّنِي، وَشَيْطَانًا يُغْوِينِي، قَدْ مَلأَ بِالْوَسْوَاسِ صَدْرِي» (الصحيفة السجادية، ص 403).
اعتراف السجاد بالاستزلال: روى الصدوق عن السجاد قوله في سجوده: "... وَلَكِنِ اتَّبَعْتُ هَوَايَ وَاسْتَزَلَّنِي الشَّيْطَانُ بَعْدَ الْحُجَّةِ عَلَيَّ وَالْبَيَانِ". (من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 1/333).
جريان الشيطان مجرى الدم: روى الكليني في (الكافي) رواية يصفها المجلسي بـ "الحسنة"، أن آدم عليه السلام قال: «يَا رَبِّ، سَلَّطْتَ عَلَيَّ الشَّيْطَانَ، وَأَجْرَيْتَهُ مِنِّي مَجْرَى الدَّمِ». (الكافي، الكليني، 2/440؛ ومرآة العقول، المجلسي، 11/311).
التحليل الإلزامي: إذا كان قول الصديق "لي شيطان يعتريني" يسقط إمامته، فماذا تقولون في قول أئمتكم إن الشيطان "يغويهم" و"يستزلهم" و"يجري منهم مجرى الدم"؟
إن قلتم: "الأئمة قالوا ذلك تواضعًا وتعليمًا للناس"، قيل لكم: والصديق قاله تواضعًا وحرصًا على العدل.
وإن قلتم: "كلام الأئمة حقيقة"، فقد سقطت دعوى العصمة التي تبنون عليها مذهبكم.
الخلاصة:
الرواية المنسوبة للصديق باطلة سندًا؛ لأنها مرسلة تارة، وفي سندها كذابون وشيعة متروكون تارة أخرى.
الكلام -بفرض صحته- هو قمة العدل والشفقة بالرعية، وتحذير من عاقبة الغضب البشري الذي يعتري الجميع.
نصوص القرآن وأحاديث الشيعة تؤكد أن الشيطان يوسوس للجميع، بمن فيهم الأنبياء والأئمة (حسب نصوصهم).
اقرأ أيضا| زعم بطلان خلافة الصديق لطلبه الإقالة منها
إلزام الخصم بتناقضه؛ فإما أن يقبل اعترافات أئمته بالشيطان كـ "تواضع" فيقبلها من الصديق، وإما أن يطعن في الجميع، وهذا لا يجرؤ عليه.
لتحميل الملف pdf