أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

ادعاء قول عمر رضي الله عنه «مناديل آل عمر نعالهم»

يردد المشغبون من الروافض روايةً تهدف إلى تصوير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصورةٍ تخالف النظافة أو الوقار؛ زاعمين أنه كان يمسح يده بنعله بعد الطعام، ويقول إنها مناديل آل بيته، وهو تشغيبٌ قائمٌ على روايةٍ واهيةٍ يُراد بها الطعن في زهد الفاروق وتواضعه.

يستدل الشيعة بما رواه ابن سعد في "الطبقات" قال: أخبرنا الفضل بن دكينٍ، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصمٍ، أنَّ عمر كان يمسح بنعليه، ويقول: «إنَّ مناديل آل عمر نعالهم». [الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع، 3/242].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: بطلان الأثر من الناحية الحديثية (ضعف السند وانقطاعه)

إن هذا الأثر الذي يتبجح به الخصم لا يثبت أمام النقد العلمي؛ إذ إنه أثرٌ ضعيفٌ تجمعت فيه عللٌ تمنع الاحتجاج به، وبيانها كما يلي:

•          العلة الأولى: ضعف عاصم بن عبيد الله: وهو راوي الأثر، وقد أجمع علماء الجرح والتعديل على تضعيفه. قال عنه ابن الجوزي: «ضعفه مالك، وقال يحيى: ضعيف لا يحتج بحديثه، قال ابن حبان: كان سيء الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ فيترك" [الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 2/70]. وقال الذهبي: «ضعفه ابن معين، وقال البخاري وغيره: منكر الحديث" [الكاشف، الذهبي، 1/520]. بل إن ابن سعد نفسه (راوي الخبر) قال عنه: «لا يحتج به» [انظر: تهذيب الكمال، المزي، 13/405].

•          العلة الثانية: الانقطاع الظاهر: عاصم بن عبيد الله لم يسمع من عمر بن الخطاب رضي الله عنه مطلقًا؛ حيث إن عاصمًا مات في أول خلافة أبي العباس السفاح (سنة 132هـ أو بعدها)، وبينه وبين عمر رضي الله عنه مفاوز تنقطع فيها الأسانيد [تهذيب الكمال، المزي، 13/405].

•          العلة الثالثة: النكارة: مخالفة هذا الأثر لما ثبت عن عمر رضي الله عنه من طهارة ونظافة وزهدٍ شرعيٍّ صحيح.

ثانيًا: حقيقة مناديل آل عمر في الروايات الثابتة

إذا أردنا معرفة الهدي الحقيقي للفاروق رضي الله عنه في هذا الباب، فعلينا الرجوع إلى ما ثبت بسندٍ صحيحٍ، وهو يفسر المعنى الحقيقي لمسح اليد بعد الطعام عند عدم وجود المناديل المصنوعة من القماش.

روى ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان عمر بن الخطَّاب يؤتى بخبزه، ولحمه، ولبنه، وزيته، وبقله، وخلّه، فيأكل، ثمَّ يمصّ أصابعه ويقول هكذا، فيمسح يديه بيديه، ويقول: هذه مناديل آل عمر" [مصنف ابن أبي شيبة، 7/97].

وهذا الفعل هو السنة النبوية في لعق الأصابع ومسح اليدين ببعضهما عند فقد الماء أو المناديل، وربما كان طعامه ليس فيه دسمٌ يحتاج لغسل [انظر: دراسة نقدية في مرويات شخصية عمر بن الخطاب، عبد السلام آل عيسى، 1/276].

ومن المثير للسخرية أن يستنكر الشيعة هذا الفعل وهو موجودٌ في كتبهم ومعزوٌّ لأئمتهم؛ فعن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه في فيه فمصها» [وسائل الشيعة، الحر العاملي، 16/496].

بل وبوب عالمهم الحر العاملي بابًا بعنوان: «استحباب لحس الأصابع من المأدوم" [وسائل الشيعة، 16/504].

ثالثًا: الأثر لو صحَّ فهو دليلُ زهدٍ ومنقبةٌ للفاروق

على سبيل التنزل، لو افترضنا صحة الأثر (وهو لا يصح)، فإن مسح اليد بنعلٍ نظيفٍ عند فقد المناديل والماء لا يعد شينًا، بل هو دليلٌ على شدة الزهد والتقلل من الدنيا والبذاذة التي هي من الإيمان.

لقد كان عمر رضي الله عنه يشترط على عماله ألا يركبوا برذونًا (خيلًا أعجمية فارهة)، ولا يأكلوا نقيًّا (خبزًا منخلًا)، ولا يلبسوا رقيقًا؛ تواضعًا منه لله وزهدًا في ترف الدنيا. والمناديل عند العرب قديمًا كانت تُعد من أدنى الثياب، ولذلك لما عجب الناس من جُبّة سندسٍ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذي نَفْسُ محمّدٍ بيدِه، لمنَادِيلُ سعدِ بْنِ معاذٍ في الْجَنَّةِ أحسَنُ مِنْ هَذَا» [صحيح البخاري، رقم 2615].

فذكر المناديل لأنها تُتخذ من رديء الثياب لمسح الفضلات، فمن زهد في ترفها ومسح يده بغيرها فقد بلغ الغاية في التواضع.

رابعًا: الإلزام بما هو أشنع في كتب الشيعة

بينما يشنع القوم على الفاروق روايةً ضعيفة، نجد في كتبهم المعتمدة أخبارًا تنسب لأئمتهم المعصومين (بزعمهم) أفعالًا يأنف منها العقلاء، ومع ذلك يروونها مفاخرين!

فقد روى الصدوق في (من لا يحضره الفقيه): «أن أبا جعفر الباقر عليه السلام دخل الخلاء، فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك كان معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت..،" إلى آخر القصة التي تنتهي بأن من أكل لقمة من القذر وجبت له الجنة! [من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 1/27].

وبوب عالمهم الحر العاملي بابًا في ذلك بعنوان: (باب أن من وجد كسرة أو تمرة استحب له رفعها وأكلها، وإن كانت في قذر استحب له غسلها وأكلها) [وسائل الشيعة، 16/503]. فأيهما أولى بالتشنيع؛ من يمسح يده بنعلٍ (لو صح) أم من يأمر بأكل لقمةٍ سقطت في قذر الخلاء؟!

خامسًا: الإلزام بالطعن في علي رضي الله عنه في كتبهم

لقد بلغ الجفاء بالقوم والطعن في الرموز أن وصفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وحاشاه) بأوصافٍ لا تليق بآحاد المسلمين، فضلًا عن الصحب الكرام.

ففي (بحار الأنوار) يروي عالمهم المجلسي نصًا يقول: «فلما أطاع القوم الذين ولوا الأمر وصار أذل لهم من الحذاء، تركوه وسكتوا عنه" [بحار الأنوار، المجلسي، 29/187]. فإذا كان عمر رضي الله عنه قد مسح يده في الحذاء (على فرض صحة الرواية)، فإنكم وصفتم معصومكم الأول بأنه "أذل من الحذاء" لمغتصبي حقه (بزعمكم)! فأي الفريقين أحق بالطعن والملام؟!

الخلاصة:

1.         ضعف الرواية: الأثر الذي يستدل به الشيعة ضعيف السند بمرة؛ لضعف عاصم بن عبيد الله وللانقطاع البين بينه وبين عمر رضي الله عنه.

2.         ثبوت البديل: الثابت في الروايات الصحيحة أن مناديل آل عمر كانت (أيديهم) بمسحها ببعضها ولعق الأصابع اتباعًا للسنة، وليس النعال.

3.         التناقض الشيعي: يشنعون على الفاروق فعلًا موجودًا في كتبهم عن النبي ﷺ، بينما يروون عن أئمتهم استحباب أكل اللقمة من قذر الخلاء!

اقرأ أيضا|  اتهامُ الفاروق رضي الله عنه بأنهُ كانَ يأتي أهلهُ في الدبرِ

4.         منطق الإلزام: من يصف عليًّا رضي الله عنه بأنه "أذل من الحذاء" لا يحق له أن يتكلم عن النظافة أو الوقار أو يشنع بمسح اليد في الحذاء.


لتحميل الملف pdf

تعليقات