أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمُهم ظهورَ اللواطِ في عهدِ الفاروقِ رضي الله عنه

يُحاولُ الخصومُ استغلالَ أيِّ حادثةٍ تاريخيةٍ وقعت في عهدِ الفاروقِ رضي الله عنه لتصويرِها وكأنها طعنٌ في عدالتهِ أو نقصٌ في حكمِهِ؛ ومن ذلكَ زعمُهم أنَّ فاحشةَ اللواطِ ظهرت في زمانِهِ، مُتجاهلينَ أنَّ وجودَ المعصيةِ في مجتمعٍ ما لا يُنقصُ من قدرِ حاكمِهِ إذا أقامَ العدلَ وحفظَ الحدودَ.

فاستدلَّ الطاعنونَ بما رواهُ الخرائطيُّ عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «أوّل ما اتّهم بالأمر القبيح -تعني: عمل قوم لوط- على عهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، اتّهم به رجلٌ، فأمر عمر شباب قريشٍ أن لا يجالسوه» [مساوئ الأخلاق، الخرائطي، ص 207].

وزعموا أنَّ وقوعَ هذا الاتهامِ يُعدُّ مَذمةً لعهدِ الفاروقِ رضي الله عنه.

الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:

أولًا: بطلانُ قياسِ المعصيةِ على مكانةِ الحاكمِ:

إنَّ هذا الادعاءَ ما هو إلا تحاملٌ ظاهرٌ؛ إذ ما وجهُ المذمةِ في كونِ رجلٍ "اتُّهِمَ" بهذا الأمرِ في زمانِ عُمرَ رضي الله عنه؟ وهل يُلامُ الحاكمُ ويُحاسبُ على أفعالِ غيرِهِ من العُصاةِ؟

ومعلومٌ أنَّ هذه الفاحشةَ كانت شائعةً في زمانِ نبيِّ اللهِ لوطٍ عليه السلامُ؛ فهل يجرؤُ الخصومُ على جعلِ ذلكَ قادحًا في نُبوتِهِ؟ إنَّ وجودَ المنكرِ في المجتمعِ لا يَقدحُ في الراعِي، وإنما الذي يَقدحُ فيهِ هو إقرارُهُ للمنكرِ أو تركُهُ للعقوبةِ، وعُمرُ رضي الله عنه بَرِيءٌ من ذلكَ.

ثانيًا: حُسنُ سياسةِ الفاروقِ وسدُّ الذرائعِ:

إنَّ صنيعَ عُمرَ رضي الله عنه مع هذا الرجلِ يُعدُّ من محاسنِ سياستِهِ وحرصِهِ على طهارةِ المجتمعِ؛ فقد أمرَ بهجرِهِ ومنعِ مجالستِهِ لمجردِ "التهمةِ" حمايةً للشبابِ وسدًا لذريعةِ الفسادِ. يقولُ محمد رشيد رضا: «فمنع عمر رضي الله عنه من مجالسته لمجرد اتهامه بهذا الفعل؛ حسمًا لمادة الفساد، ولو ثبت عنه ذلك الفعل لأقام عليه الحد» [تفسير المنار، (8/462)].

وهذا يدلُّ على يقظةِ الفاروقِ وحزمِهِ في صيانةِ الأخلاقِ.

ثالثًا: المقارنةُ معَ مروياتِ الخصومِ وتناقضاتِهم:

إذا كانَ الخصومُ يَعيبونَ على عُمرَ مجردَ وقوعِ تهمةٍ في زمانِهِ، فماذا يقولونَ في مروياتِهم عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه؟ فقد ذكرَ عالمُهم هاشمٌ البحرانيُّ روايةً يزعمُ فيها أنَّ رجلًا من "شيعةِ عليٍّ" أقرَّ عندهُ باللواطِ، وبدلًا من إقامةِ الحدِّ عليهِ، تذكرُ الروايةُ أنَّ النارَ لم تحرقْهُ لأنهُ من المحبينَ! [مدينة معاجز الأئمة، البحراني، (1/258)].

فأيُّ العهدينِ أولى بالنقدِ؛ عهدٌ يُهجرُ فيهِ المتهمُ صيانةً للمجتمعِ، أم مروياتٌ تدَّعي نجاةَ الفاعلِ من العقوبةِ لمجردِ التشيُّعِ؟

رابعًا: تعطيلُ الحدودِ في كتبِ الرافضةِ:

روى الكلينيُّ في كتابِهِ (الكافي) أنَّ رجلًا أقرَّ باللواطِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه أربعَ مراتٍ، وحاول إحراقَه بالنار فلم يُحْرق، وفي النهايةِ قالَ لهُ عليٌّ: «قم يا هذا، فقد أبكيت ملائكة السَّماء وملائكة الأرض، فإنَّ الله قد تاب عليك، فقم ولا تعاودنّ شيئًا ممّا قد فعلت» [الكافي، الكليني، (14/79)].

وقد وصفَ المجلسيُّ هذا الحديثَ بأنهُ "حسنٌ" [مرآة العقول، (23/306)].

ومحلُّ الشاهدِ أنَّ عالمَهم الفيضَ الكاشانيَّ حاولَ تبريرَ هذا التعطيلِ الصريحِ للحدِّ بقولِهِ: «فإنه إذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله، كان له أن يمن عن الله، أمَا سمعت قول الله عز وجل: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامنُن أَو أَمسِك بِغَيرِ حِسَاب)؟». [الوافي، الكاشاني، (15/336)].

فانظرْ إلى هذا التناقضِ العجيبِ؛ يُجوِّزونَ للإمامِ إسقاطَ الحدودِ الثابتةِ بالإقرارِ (الذي هو سيدُ الأدلةِ) ويجعلونَ ذلكَ "عطاءً ومِنّةً"، ثم يتباكونَ ويطعنونَ في مقامِ الفاروقِ رضي الله عنه لمجردِ وقوعِ "تُهمةٍ" في زمانِهِ بادرَ إلى حسمِ مادتِها بالهجرِ والمنعِ!

الخلاصةُ:

1.     وقوعُ "تهمةٍ" بفعلٍ قبيحٍ في عهدِ الفاروقِ رضي الله عنه لا يَعيبُهُ؛ لأنَّ الحاكمَ لا يُسألُ عن معاصي الرعيةِ المستترةِ، بل يُسألُ عن إقامةِ العدلِ فيها.

2.     موقفُ عُمرَ رضي الله عنه بحظرِ مجالسةِ المتهمِ يُمثِّلُ قمةَ الوعيِ التربويِّ وسدِّ ذرائعِ الفسادِ الأخلاقيِّ.

3.     التناقضُ الكبيرُ عندَ الخصومِ؛ إذ يطعنونَ في عُمرَ لوقوعِ "تُهمةٍ" في عهدِهِ، بينما يروونَ في كتبِهم مروياتٍ تُمجدُ مَن يقعُ في الفاحشةِ وتزعمُ سقوطَ الحدِّ عنهُ لمجردِ الولاءِ.


اقرأ أيضا| نسب عمر بن الخطاب ومكانته في قريش.. رد علمي موثق من الكتب والمصادر (فيديو)

4.     إجماعُ المحققينَ على أنَّ عهدَ الفاروقِ رضي الله عنه كانَ أزهى عصورِ الإسلامِ انضباطًا وتطبيقًا للحدودِ وصيانةً للأعراضِ.


لتحميل الملف pdf

تعليقات