يحاول الشيعة استغلال قصة "بطاقة عمر" الموجهة لنيل مصر؛ لتصوير أمير المؤمنين وكأنه يمارس نوعًا من السحر أو التعامل مع الجمادات بمنطق جاهلي، بينما الحقيقة أنَّ القصة لا تثبت إسنادًا، ولو ثبتت لكانت في قمة التوحيد ومحاربة الأساطير.
وقد ساقها المجلسي في (بحار الأنوار 31/144)، وجعلها دليلًا على ما يسميه "الاستخفاف" بالسنن الكونية، محاولًا التشكيك في إيمان عمر رضي الله عنه من خلال تصوير كتابته للنيل كأنها طقس من طقوس الجاهلية، كما أشار إليها الأميني في (الغدير 6/151) ضمن سياق السخرية من كرامات الصحابة، محاولًا إيهام القارئ أن أهل السنة يرفعون عمر لمقام "الربوبية" الذي يزعمونه هم لأئمتهم!
قال أبو الشيخ: «حدَّثنا أبو الطيب، حدَّثنا عليُّ بن داود، حدَّثنا عبد الله بن صالحٍ، حدَّثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجَّاج، عمّن حدَّثه قال: لَمَّا فتحت مصر أتي عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين دخل يومٌ من أشهر العجم فقالوا: أيُّها الأمير، إنَّ لنِيلِنَا هذا سُنَّةً لا يجري إلَّا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان إحدى عشرة ليلةً تخلو من هذا الشّهر، عمدنا إلى جاريةٍ بكرٍ بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الثِّيَاب أفضل ما يكون، ثمَّ ألقيناها في هذا النيل. فقال لهُ عمرٌو رضي الله عنه: إنَّ هذا لا يكون أبدًا في الإسلام، وإنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا يومهم، والنيل لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتَّى همُّوا بالجَلَاءِ، فلمَّا رأى ذلك عمرٌو رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بذلك، فكتب أن قد أصبت بالذي فعلت، وإنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقةً في داخل كتابه، وكتب إلى عمرٍو رضي الله عنه: إنِّي قد بعثت إليك بطاقةً في داخل كتابي إليك، فألقها في النيل، فلمَّا قدم كتاب عمر رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص رضي الله عنه أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى نيل أهل مصر، أمَّا بعد، فإن كنت تجري من قِبَلِك فلا تجر، وإن كان الله يجريك، فأسأل الله الواحد القهَّار أن يجريك، قال: فألقى البطاقة في النَّيل قبل الصَّليب بيومٍ، وقد تهيَّأ أهل مصر للجلاء منها؛ لأنَّه لا تقوم مصلحتهم فيها إلَّا بالنّيل، فلمَّا ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصَّليب، وقد أجراه الله عز وجل ستّة عشر ذراعًا في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع الله تلك السُّنَّة السُّوء عن أهل مصر إلى اليوم». [العظمة، أبو الشيخ الأصبهاني، 4/1424].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: نقد القصة من الناحية الحديثية (تهافت الإسناد)
إن هذه الرواية التي يتلقفها الخصوم للطعن في الفاروق هي رواية ساقطة علميًّا؛ وذلك لوجود علل قادحة تمنع من قبولها:
• ضعف عبد الله بن لهيعة: وهو راوي القصة، وقد أجمع علماء الجرح والتعديل على ضعف حفظه. قال الإمام النسائي: «ضعيف". [الضعفاء والمتروكون، النسائي، 1/203].
وقال ابن حبان: «وجب ترك الاحتجاج برواية المتأخّرين بعد احتراق كتبه؛ لما فيها ممّا ليس من حديثه". [الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 2/137].
• الانقطاع والجهالة: قيس بن الحجاج يروي القصة عن "مجهول" لم يُسمَّ، وهذا المبهم لا تُعرف عدالته، كما أن قيسًا لم يدرك عمر ولا عمرو بن العاص.
قال الحافظ ابن حجر: «ولا يقبل حديثُ المبهَمِ ما لم يسمَّ؛ لأنَّ شرط قبول الخبر عدالة راويه". [نزهة النظر، ابن حجر، ص 101].
ثانيًا: التحليل العقدي لمضمون البطاقة (التوحيد الصرف)
لو افترضنا جدلًا صحة القصة، فإن فعل عمر رضي الله عنه هو محض التوحيد؛ فقد أبطل قربانًا بشريًّا شركيًّا (الجارية البكر)، وأعاد نسبة الفعل لله القهار بقوله: «وإن كان الله يجريك، فأسأل الله الواحد القهَّار أن يجريك".
فهذا دعاءٌ وتوسلٌ بالله خالق الأسباب، وهو من باب الكرامة التي يجريها الله على يد أوليائه لتثبيت الحق.
ثالثًا: التفنيد التفصيلي لمرويات دين التشيع (الطلاسم والكهانة)
بينما يشن أتباع هذا الدين حملة على دعاء عمر الموحد، نجد كتبهم المعتمدة تنسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ممارسات هي بالكهانة والشعوذة أشبه، وذلك عبر النقاط التالية:
1. استخدام اللغة الأعجمية الخفية (الطلاسم): روى ابن حمزة الطوسي في (الثاقب في المناقب): «عن أبي عبد الله، أنه قال: مد الفرات عندكم على عهد أمير المؤمنين..، فركب أمير المؤمنين، والناس حوله يمينًا وشمالًا، حتى انتهى إلى الفرات وهو يزجر بأمواجه، فوقف الناس ينظرون، فتكلم بكلام خفي عبراني ليس بعربي، ثم إنه قرع الفرات قرعة واحدة فنقص الفرات ذراعًا». [الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي، ص 155].
فعمر رضي الله عنه (في القصة الضعيفة) خاطب النيل بكلام عربي "مبين" يدعو فيه الله القهار، بينما تنسبون لعلي رضي الله عنه التحدث بـ "كلام خفي عبراني"؛ وهذا هو عين فعل الكهان والسحرة الذين يستخدمون لغات مجهولة لاستحضار القوى الغيبية.
2. القرع بالعصا والتحكم المادي (الخوارق الكهنوتية): تكمل الرواية في كتبهم أن الناس طلبوا الزيادة: «فقرع قرعة أخرى فنقص ذراعًا آخر، فقالوا: يكفينا، فقال: لو أردت لقرعته حتى لا يبقى فيه شيء من الماء". [الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي، ص 156].
وهنا ينسبون لعلي "قدرة ذاتية" على إفناء النهر بقرعة عصا، وكأنه هو المتصرف في الكون، بينما عمر أحال الأمر كله لمشيئة الله (إن كان الله يجريك).
فأيهما أحق بوصف "الخرافة"؟ من يطلب من الله، أم من يزعم لنفسه القدرة على تجفيف الأنهار بكلمات عبرانية؟
3. الازدواجية في النقد والتأصيل: إن أتباع دين التشيع يقعون في تناقض فاضح؛ فهم يرفضون كرامة جرت بدعاء لله (قصة عمر) ويسمونها خرافة، بينما يقدسون مرويات تقوم على الغموض والأعجمية (قصة الفرات).
إن المنبع الحقيقي للخرافة هو تلك الكتب التي حوّلت آل البيت إلى "أرباب" يتكلمون بالعبرانية ويتحكمون في جريان الأنهار بحركات مادية، بعيدًا عن منهج النبوة الذي يقوم على الدعاء والافتقار لله الواحد القهار.
الخلاصة:
• قصة بطاقة عمر للنيل باطلة إسنادًا لضعف رواتها وانقطاع سندها.
• مضمون البطاقة هو توحيدٌ خالص ودعاءٌ صريح لله القهار، يهدف لإبطال عادة ذبح البشر للجمادات.
• كتب دين التشيع تنسب لعلي رضي الله عنه التحكم في الأنهار عبر "طلاسم عبرانية" و"كلام خفي"، وهو ما يصادم جوهر التوحيد ويقترب من أفعال السحرة.
اقرأ أيضا| زعمهم إثبات الولاية التكوينية للفاروق رضي الله عنه
• الطعن في عمر بالخرافة هو من باب "رمتني بدائها وانسلت"، فمنبع الخرافة الحقيقي هو المرويات التي ألَّهت البشر وجعلت بيدهم مقاليد الكون.
لتحميل الملف pdf