يزعم الطاعنون أن أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه كان يزدري أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ويلقبه بـ"أبي فصيل" (تلفيقًا من اسم والده أبي قحافة، والفصيل هو ولد الناقة الصغير)، وأنه لم يكن يراه أهلًا للخلافة، محاولين بذلك إثبات وجود معارضة قوية من كبار الصحابة لبيعة الصديق.
فقالوا: كان أبو سفيان يسمي أبا بكر "أبا فصيل" [بحار الأنوار، المجلسي، 28/328]، ويحتجون برواية عند الطبري: «عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: لما استُخلف أبو بكر قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل! إنما هي بنو عبد مناف، قَالَ: فقيل لَهُ: إنه قد ولى ابنك، قَالَ: وصلته رحم» [تاريخ الطبري، 2/449].
الرد التفصيلي على الشبهة:
إن هذه الشبهة قائمة على روايات مضطربة الأسانيد، وفهمٍ يخلط بين النزعة القبلية الجاهلية وبين المقاييس الشرعية، وإليك البيان:
أولًا: اعتراف أبي سفيان بفضل الصديق ومكانته
كان أبو سفيان رضي الله عنه يعلم يقينًا أن أبا بكر هو الرجل الثاني في الإسلام، وقد جرى ذلك على لسانه حتى قبل إسلامه؛ ففي غزوة أحد، وقف أبو سفيان ينادي: «أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ (ثلاثًا)..، أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ (ثلاثًا)..، أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ (ثلاثًا)» [صحيح البخاري، 5/94].
فترتيبه للأسماء بهذا الشكل يقطع بأنه يعلم أن أبا بكر هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين ومكانتهم، ولم يذكر عليًّا ولا غيره في هذا المقام الصعب، مما يدل على رسوخ فضل الصديق عند القريب والبعيد.
ثانيًا: تهافت الروايات المحتَجِّ بها وضَعف أسانيدها
كل الروايات التي اعتمد عليها الطاعنون في تصوير موقف أبي سفيان من البيعة لا تصح من الناحية الحديثية:
1. رواية ابن أبجر: التي رواها عبد الرزاق في مصنفه، هي رواية "منقطعة"؛ لأن ابن أبجر لم يدرك الحادثة أصلًا. [مصنف عبد الرزاق، 5/451].
2. رواية الحاكم في المستدرك: وصفها الذهبي بالصحة، لكن في سندها "محمد بن سابق" وهو متكلم في حفظه، وقد ضعفه يحيى بن معين وأبو حاتم. [المغني في الضعفاء، الذهبي، 2/583].
3. رواية الواقدي: التي رواها البلاذري، فيها الواقدي وهو "متروك الحديث" عند أحمد ومسلم والنسائي، وفيها أيضًا يزيد بن عياض وهو "كذبه مالك وغيره". [تقريب التهذيب، ابن حجر، ص 604].
4. رواية الطبري عن ثابت البناني: هي رواية "مرسلة"؛ لأن ثابتًا لم يدرك زمن الحادثة. [تاريخ الطبري، 3/209].
وبهذا يتبين أن الخبر لا يثبت من طرق صحيحة متصلة، وإنما هي أخبار تاريخية يعتريها الكثير من الضعف.
ثالثًا: رد علي بن أبي طالب على فتنة أبي سفيان
حتى لو افترضنا "جدلًا" صحة هذه الروايات، فإنها حجة "على" الشيعة لا "لهم"؛ لأن الرواية نفسها تذكر أن أبا سفيان لما ذهب لعلي رضي الله عنه يغريه بالخروج على أبي بكر، زجره علي زجرًا شديدًا وقال له: «مَا زِلْتَ عَدُوًّا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَمَا ضَرَّ ذَلِكَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ شَيْئًا، إِنَّا رَأَيْنَا أَبَا بَكْرٍ لَهَا أَهْلًا» [مصنف عبد الرزاق، 5/451].
فالرواية تثبت شهادة علي رضي الله عنه بأهلية الصديق للخلافة، ورفضه القاطع لمحاولة أبي سفيان شق عصا المسلمين.
رابعًا: الدافع وراء كلام أبي سفيان (عصبية جاهلية لا حجة دينية)
يجب أن يُفهم كلام أبي سفيان -إن صح- في سياق "حديث عهده بالإسلام"؛ فقد كان متأثرًا بنزعات الجاهلية التي ترى أن الرئاسة يجب أن تكون في "بني عبد مناف" (قوم النبي وعلي وعثمان وأبي سفيان)، بينما أبو بكر من "بني تيم" وهم قبيلة أقل عددًا وقوة بمقاييس الجاهلية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لم يذكر أحدٌ حجةً دينية شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، وإنما نشأ كلامه (أبو سفيان) عن حب لقومه وقبيلته.. وهذا شعبة جاهلية ونوع عصبية للأنساب..، أما الذين كانوا لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض، فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر» [منهاج السنة النبوية، 1/519-520].
خامسًا: انتهاء المعارضة وتحولها إلى ولاء
تثبت الروايات التاريخية أن هذه المعارضة القبلية "اليسيرة" تلاشت بسرعة بمجرد أن رأى الجميع حزم الصديق وصدقه في قيادة الأمة؛ فبايع أبو سفيان، وخرج ابنه يزيد قائدًا في جيوش الصديق لفتح الشام، مما يؤكد أن النفوس قد اجتمعت على إمامة الصديق ولم يختلف عليه أحد من المهاجرين والأنصار.
الخلاصة:
1. اعتراف أبي سفيان بتقديم أبي بكر على سائر الصحابة ثابتٌ في "صحيح البخاري" منذ يوم أحد، وهو أصدق من الروايات التاريخية المنقطعة.
2. الأخبار التي تتحدث عن تسميته للصديق بـ"أبي فصيل" هي مرويات مرسلة ومضطربة لا تقوم بها حجة علمية.
3. علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو من ردَّ على أبي سفيان، وأكد أن أبا بكر "أهلٌ للخلافة"، مما يغلق الباب أمام المزايدين.
4. معارضة أبي سفيان (إن صحت) كانت قائمة على "العصبية القبلية الجاهلية" التي جاء الإسلام لهدمها، وليست قائمة على انتقاصٍ من فضل الصديق الديني.
اقرأ أيضا| زعمهم جزع الصديق عند احتضاره وشكّه أنه من أهل الجنة
5. إجماع الصحابة (بما فيهم بنو هاشم وبنو أمية) على بيعة الصديق بعد ذلك يقطع دابر أي شبهة حول شرعية خلافته.
لتحميل الملف pdf