أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم إثبات الولاية التكوينية للفاروق رضي الله عنه

تعد عقيدة "الولاية التكوينية" من الركائز التي يقوم عليها دين الرافضة؛ حيث يزعمون أن لأئمتهم سلطةً مطلقةً على ذرات الكون وعالم الوجود، بحيث يخضع كل شيء لأمرهم وتصرفهم.

ولتشتيت الأنظار عن بطلان هذه العقيدة وتفردهم بها؛ حاولوا إيهام الناس بأن أهل السنة يثبتون المقام نفسه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فيدعون أن أهل السنة ينسبون لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قدرةً تكوينيةً على التحكم في عناصر الطبيعة، ويستندون في ذلك إلى ما أورده شمس الدين السفيري في مناقب عمر رضي الله عنه حيث قال: «وله من الكرامات ما لا تحصى، فمن كرامته أن العناصر الأربع وافقته، عنصر الماء والهواء والتراب والنار». [المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية، شمس الدين السفيري الشافعي، 1/97].

انظر: ما ذكره محمد حسين الغروي النائيني في فتاواه [3/554، مسألة 2017]، وما جاء في «مسائل وردود» لعلي الحسيني البهشتي [ص 606]، وما قرره الميرزا جواد التبريزي في «الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية» [ص 81]، وما أورده محمد الشاهرودي في «ردود عقائدية، أجوبة الشبهات البيروتية» [ص 9].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: موافقة عنصر الماء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

استدل الطاعنون بقصتين في هذا السياق، والرد عليهما يظهر تهافت استدلالهم:

1- قصة رسالة النيل: ذكر السفيري أن النيل توقف عن الجريان في عهد عمر رضي الله عنه، فأرسل إليه رسالةً فأجرى الله الماء فيها. والرد من وجوه:

•          ضعف الرواية: الرواية معلولة بعبد الله بن لهيعة؛ وهو ضعيف عند أئمة الحديث كالنسائي وابن الجوزي، وقد أنكر أهل مصر سماع الأواخر منه بعد احتراق كتبه [انظر: الضعفاء والمتروكين، النسائي، 1/203؛ والضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 2/137].

•          انقطاع الإسناد: قيس بن الحجاج لم يثبت له لقاء بالصحابة، فبينه وبين عمر وعمرو بن العاص واسطة مبهمة لا تعرف عدالتها؛ مما يبطل القصة إسنادًا [انظر: نزهة النظر، ابن حجر، ص 101؛ وتقريب التهذيب، 2/32].

•          تنزيه الصحابة عن الطلاسم: لو ثبتت القصة؛ فهي دعاء مشروع استجاب الله له، بخلاف ما ينسبه الشيعة لعلي رضي الله عنه في قصة فيضان الفرات، حيث زعموا أنه تكلم بكلام خفي عبراني ليس بعربي حتى نقص الماء! [انظر: الثاقب في المناقب، ابن حمزة الطوسي، ص 155-156].

2- قصة شط دجلة: زعموا أن خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما خاطبا البحر بكرامة عمر فعبر الجيش ولم تبتل حوافر الخيل. والرد:

•          فقدان السند: هذه الحكاية لا سند لها إطلاقًا، فلا تصح حجة في مسألة عقدية.

•          الكرامة ليست ولاية: لو صحت؛ لكانت كرامةً من فعل الله إكرامًا لأوليائه، وليست تصرفًا ذاتيًّا في الكون.

•          إلزام الخصم: ورد في كتب الشيعة ما هو أعجب؛ إذ زعموا أن الباقر سقط في بئر بعيدة القعر وهو طفل، فمد أبوه السجاد يده إلى قعرها فأخرجه وهو يضحك ولم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء! [انظر: مدينة معاجز الأئمة، هاشم البحراني، 4/254].

ثانيًا: موافقة عنصر الهواء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

وهي القصة المشهورة بـ "يا سارية الجبل"، والرد عليها من وجوه:

•          ثبوت القصة: اختلف المحدثون في ثبوتها، فمنهم من حسن إسنادها كابن كثير [البداية والنهاية، 7/131]، ومنهم من ضعفها لتعدد طرقها الواهية.

•          الإلهام والكرامة: هذا من باب الإلهام الذي خصه الله به؛ إذ هو "المحدَّث" الملهم، وليس اطلاعًا على الغيب، فالاطلاع على الغيب صفة لله وحده، والله هو الذي أبلغ صوته لسارية بخرق العادة.

•          تحريف الرافضة للقصة: العجيب أن الرافضة حرفوا هذه القصة وجعلوها من كرامات علي رضي الله عنه؛ فزعموا أنه هو من أرى عمر الجيوش وهو الذي أبلغ الصوت لسارية! [انظر: مدينة معاجز الأئمة، هاشم البحراني، 2/14-18].

إن ما يصفه أهل السنة في حق الصحابة هو من باب "الكرامات" التي هي فعل الله وتكريمه لعبده الصالح؛ حيث تقع استجابةً لدعاء أو إلهامًا صادقًا. أما ما يدعيه الرافضة؛ فهو "ولاية تكوينية" تجعل الإمام متصرفًا في الكون بغير إذن الله أو بتفويض منه، وهو عين الغلو والشرك؛ والفرق بين المقامين شاسع لمن ألقى السمع وهو شهيد.

ثالثًا: موافقة عنصر "التراب" لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

زلزلت الأرض في عهد عمر رضي الله عنه؛ فضربها برجله أو بدِرَّته وأمرها بالسكون فاستقرت. والرد على ذلك:

(أ) انعدام الدليل: هذه القصة لا يُعرف لها سندٌ صحيحٌ أو ضعيفٌ في كتب الحديث المعتبرة؛ وبناءً عليه لا يجوز بناء عقيدة أو إثبات مقام "الولاية التكوينية" بناءً على أخبار لا أصل لها.

(ب) إلزام الخصم بغلوهم في الأئمة: بينما يشنع الرافضة بهذه القصة؛ نجد أن كتبهم ترفع الأئمة إلى مقام الربوبية في حكم الأرض.

•          قال عالمهم علي النمازي في تفسير قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69]: «عن الصادق في هذه الآية قال: رب الأرض إمام الأرض». [مستدرك سفينة البحار، علي النمازي، 4/47].

•          كما ينسبون التحكم في ظواهر الكون للأئمة؛ فقد روى شيخهم المفيد عن سماعة بن مهران قال: «كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فأرعدت السماء وأبرقت، فقال أبو عبد الله: أما إنه ما كان من هذا الرعد، ومن هذا البرق فإنه من أمر صاحبكم. قلت: من صاحبنا؟ قال: أمير المؤمنين». [الاختصاص، المفيد، ص 327].

رابعًا: موافقة عنصر "النار" لعمر بن الخطاب رضي الله عنه

أورد الطاعنون قصتين في هذا الشأن، والرد عليهما كالتالي:

القصة الأولى: حبس النار في الكهف:

زعموا أن نارًا خرجت في عهد عمر رضي الله عنه فأمر تميمًا الداري بردها إلى الكهف فردها.

 والرد: (أ) جهالة الأثر: هذا الخبر لا سند له؛ وقد أنكر عالمهم محمد رشيد رضا الانشغال بمثل هذه الأخبار التي لا يُعرف لها أصل، ووصف الخوض فيها بـ "الحماقة"؛ لعدم وجود إجابات صحيحة حول مكان هذا الكهف أو حقيقة الحادثة. [مجلة المنار، محمد رشيد رضا، 2/658].

(ب) إلزام الخصم: يزعم الرافضة أن أئمتهم لا تحرقهم النار؛ بل يتحكمون فيها. ذكر هاشم البحراني أن الدوانيقي أمر بإحراق دار الصادق؛ فخرج الصادق ودخل النار ووقف في وسطها ساعة ثم خرج منها سالمًا وقال: «أنا ابن أعراق الثرى». [مدينة معاجز الأئمة، هاشم البحراني، 5/296].

القصة الثانية: الفراسة في احتراق بيت الرجل:

وهي قصة الرجل الذي سأله عمر رضي الله عنه عن اسمه وبلده فكانت كلها أسماء تدل على النار (جمرة، شهاب، لظى)؛ فقال له عمر: «أدرك أهلك فقد احترقوا»، فكان كما قال.

والرد: (أ) باب الإلهام والفراسة: هذا ليس من "الولاية التكوينية"؛ بل هو من باب الإلهام الصادق الذي خصه الله به. يقول ابن عبد البر: «لا أدري ما أقول في هذا، إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: سيكون بعدي محدّثون، فإن يكن فعمر». [الاستذكار، ابن عبد البر، 8/514]. وهذا النوع من الإلهام يثبته الشيعة أنفسهم لغير الأئمة مثل سلمان الفارسي. [موسوعة الغدير، 5/45].

(ب) الفراسة العلمية: كما فسرها ابن العربي بأنها استدلال بالظاهر على الباطن؛ حَيْثُ استدل عمر رضي الله عنه باجتماع أسماء النار في هذا الرجل على وقوع البلاء بسببه في أهله، وكان ذلك تعليمًا للناس بضرورة تحسين الأسماء. [القبس في شرح موطأ مالك، ابن العربي، 3/1149-1150].

(ج) الفرق بين الفراسة والادعاء: الإلهام والفراسة لا تعنيان التحكم في الكون؛ بخلاف ما ينسبه الرافضة للأئمة من معرفة الغيب المطلق. يقول شيخهم المفيد: «إن الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد ويعرفون ما يكون قبل كونه». [أوائل المقالات، المفيد، ص 67].

الخلاصة:

بعد تفنيد هذه الأدلة؛ نخلص إلى أن محاولة الشيعة إلصاق تهمة القول بـ "الولاية التكوينية" بأهل السنة هي محاولة بائسة؛ وذلك للآتي:

1.         تهافت الروايات: معظم القصص التي استندوا إليها لا أصل لها ولا سند يثبتها؛ حَيْثُ اعتمدوا على كتب المواعظ والرقائق لا كتب السنة والعقيدة.

2.         الكرامة لا التفويض: ما صح من كرامات لعمر رضي الله عنه هو "إكرام من الله" له، وليس "قدرة ذاتية" منه على التحكم في ذرات الكون؛ فالخالق والمتصرف هو الله وحده.

3.         التناقض الصارخ: يشنع الشيعة على عمر رضي الله عنه كرامات (لو ثبتت لكانت فضيلة)؛ بينما ينسبون لأئمتهم مقامات الربوبية والتحكم في البرق والرعد وعلم الغيب المطلق؛ مما يجعل ردهم للشبهة بلا حجة أو دليل معتبر.

اقرأ أيضا| زعمُهم أنَّ الفاروقَ رضي الله عنه كانَ يتداوى بـ ماءِ الرجالِ

فالولاية التكوينية عقيدة غالية ينفرد بها الرافضة؛ ولا وجود لها في معتقد المسلمين


لتحميل الملف pdf

تعليقات