أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن تولي الصديق والفاروق وذي النورين الخلافة تباعًا كان أمرًا مخططًا بينهم

يدعي الشيعة أن تتابع الخلفاء الثلاثة (أبو بكر، وعمر، وعثمان) رضي الله عنهم على الحكم لم يكن وليد الشورى أو الفضل، بل كان نتيجة "مؤامرة" مسبقة وتخطيط محكم بينهم لتنحية علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بتحريف معاني القرآن الكريم، زاعمين أن قوله تعالى: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] نزل فيهم وفيمن بايعهم.

فقالوا: إن تولي أبي بكر وعمر وعثمان الخلافة تباعًا كان أمرًا مخططًا بينهم؛ لتنحية علي بن أبي طالب، وأن ما كان من الصحابة الثلاثة هو ما عناه الله في لفظ «انقلبتم». [انظر: تفسير القمي، 1/121؛ منهاج الكرامة، ص 98؛ بحار الأنوار، 28/311؛ مأساة الزهراء، 2/184] وغيرها من مصادرهم.

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن هذه الشبهة تصطدم بصخرة الحقائق التاريخية المتواترة، وتطعن في حكمة التشريع وعدالة الرعيل الأول، وإليك التفصيل:

أولًا: تزكية النبي ﷺ لهم بالفعل والقول

من المتواتر الثابت أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم اختصاص عظيم بالنبي ﷺ، فكانوا وزراءه وأصهاره وأقرب الناس إليه.

الطعن فيهم طعن في النبي ﷺ: لو كان هؤلاء "متآمرين" و"منقلبين" والنبي ﷺ لا يعلم، فهذا طعن في علمه وبصيرته، وإن كان يعلم وسكت عنهم فهذا قدح في عصمته وتبليغه.

قول الإمام مالك: «إنما أراد هؤلاء الرافضة الطعن في الرسول ﷺ؛ ليقول القائل: رجل سوء، كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابُه صالحين». [أسمى المطالب، الصلابي، ص 201].

ثانيًا: إجماع الأمة وشهادة علي رضي الله عنه

لم تكن الخلافة غصبًا، بل كانت إجماعًا شهد له القريب والبعيد:

أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أجمعت الأمة عليه، وقال علي رضي الله عنه لما استعفى الصديق: «لا نقيلك؛ قدَّمك رسول الله ﷺ لديننا (في الصلاة)، ألا نرضاك لدنيانا؟". [أبو بكر الصديق، الصلابي، ص 162].

عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انعقدت له الخلافة بالشورى والاتفاق، وكان علي رضي الله عنه ضمن من استشارهم الصديق وأثنى على استخلاف عمر.

عثمان بن عفان رضي الله عنه: لم تكن بيعة أوكد من بيعته، حيث أجمع عليه المهاجرون والأنصار بعد تشاور طويل قاده عبد الرحمن بن عوف، ولم يتخلف عن بيعته أحد.

ثالثًا: أين كان الوحي من هذه "المؤامرة"؟

إذا كان هؤلاء قد خططوا لتنحية علي في حياة النبي ﷺ، فكيف يسكت الوحي عن أمر بهذا الخطورة يمس مستقبل الدين؟ إن القول بالمؤامرة يقتضي إما جهل الرب سبحانه (تعالى الله عن ذلك) أو كتمان الرسول ﷺ للوحي، وكلاهما كفر وضلال.

رابعًا: أحداث الوفاة تنفي وجود أي ترتيب مسبق

المتأمل في اللحظات الأخيرة من حياة النبي ﷺ يرى بطلان دعوى التخطيط:

غياب الصديق رضي الله عنه: لم يكن أبو بكر قريبًا من بيت النبي ﷺ وقت الوفاة، بل كان في "السنح" خارج المدينة عند زوجته، فلو كان متآمرًا لما غاب في تلك اللحظة الحاسمة.

مراجعة عائشة رضي الله عنها: لو كان هناك اتفاق بين عائشة وأبيها، لما راجعت النبي ﷺ مرارًا ليعفي أبا بكر من الصلاة بالناس قائلة: «إنه رجل أسيف (رقيق القلب)»، بل لكانت أول المشجعين ليتم التخطيط.

خامسًا: سيرة الخلفاء العملية تكذب طمعهم في السلطة

الرجل الذي يتآمر للوصول إلى السلطة يظهر عليه الطمع والأثرة، ولكن ما رأيناه من الشيخين وذي النورين كان العكس تمامًا:

زهد الصديق رضي الله عنه: كان يخدم العجوز ويحلب الشاة للضعفاء وهو خليفة، ولم يترك درهمًا ولا دينارًا لأهله.

عدل الفاروق رضي الله عنه: كانت الخلافة في حقه عبئًا وتكليفًا، وكان يخشى أن يُسأل عن تعثر بغلة في العراق.

فهل يتآمر رجل بكل هذا الخبث (كما يزعمون) ليعيش عيشة الزاهدين الفقراء ويتحمل أعباء الأمة؟

سادسًا: التحليل القبلي والمنطقي

ينتمي أبو بكر لقبيلة "بني تيم"، وعمر لقبيلة "بني عدي"، وهما من أصغر وأضعف بطون قريش.

التساؤل المنطقي: كيف لرجلين من أضعف القبائل أن يتآمرا على "بني هاشم" (قوم النبي ﷺ) و"بني أمية" و"بني مخزوم"؟

تعجب أبي قحافة: لما سمع والد أبي بكر أن ابنه أصبح خليفة، سأل: «أرضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: لا واضع لما رفعت، ولا رافع لما وضعت". [المستدرك، الحاكم، 3/274].

هذا يدل على أن الاختيار كان "ربانيًّا" و"شوريًّا" محضًا، تجاوز كل الحسابات القبلية الجاهلية.

سابعًا: الإلزامُ العَقليُّ القاصمُ لشبهةِ (التخطيطِ المسبقِ للخلافةِ):

لو سَلَّمنا جَدلًا بفريةِ وجودِ "تخطيطٍ مُسبقٍ" بينَ الثلاثةِ (أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ) رضي الله عنهم لتداولِ الخلافةِ بينهم؛ لَوَقعَ الشيعة في مأزقٍ عقليٍّ لا مخرجَ منهُ، وبيانُهُ من وجوهٍ:

1- مَن يملكُ التحكمَ في ترتيبِ الآجالِ؟

إنَّ تولي هؤلاءِ الثلاثةِ للخلافةِ بهذا الترتيبِ الزمنيِّ الدقيقِ (أبو بكرٍ ثم عمرُ ثم عثمانُ) كانَ مَبنيًّا في المقامِ الأولِ على "ترتيبِ وفاتِهم"، فلو ماتَ عُمرُ قبلَ أبي بكرٍ، أو ماتَ عثمانُ قبلَهُما؛ لَبطلَ هذا (المخططُ المزعومُ) وانفرطَ عِقدُهُ.

فهل كانَ هؤلاءِ الثلاثةُ يَعلمونَ الغيبَ ويَتحكمونَ في لحظاتِ موتِهم؛ بحيثُ يَموتونَ بنفسِ الترتيبِ الذي خَططوا لهُ؟!

2- استحالةُ التنبؤِ بظروفِ الوفاةِ:

لقد ماتَ أبو بكرٍ رضي الله عنه مَوتًا طبيعيًّا على فِراشهِ بعدَ سنتينِ ونصفٍ، بينما قُتلَ عمرُ رضي الله عنه مَطعونًا وهو يُصلي بالناسِ بعدَ عشرِ سنواتٍ، ثم قُتلَ عثمانُ رضي الله عنه مَحاصَرًا في دارهِ بعدَ اثنتي عشرةَ سنةً.

فمَن ذا الذي يملكُ التخطيطَ لمؤامرةٍ سياسيةٍ تعتمدُ في نجاحِها على مِيقاتِ وفاتِ صاحبِها ونوعِ مِيتهِ بعدَ عُقودٍ من الزمنِ؟!

3- خروجُ الأمرِ عن إرادةِ البشرِ:

إنَّ هذا الترتيبَ في الخلافةِ هو محضُ تدبيرٍ إلهيٍّ لا يملكُ البشرُ فيهِ تقديمًا ولا تأخيرًا.

 والقولُ بالتخطيطِ يَلزمُ منهُ القولُ بأنَّهم كانوا يُنسقونَ معَ (مَلَكِ الموتِ) -وحاشاهم- لِيقبضَ أرواحَهم بالدورِ المُتفقِ عليهِ!

وهذا قمةُ التهافتِ والسخفِ العقليِّ الذي لا يَقبلُهُ مَن لهُ أدنى مَسكةٍ من عَقلٍ، ومن ثَمَّ تبطل الشبهة من أصلها.

الخلاصة:

تتابع الخلفاء الثلاثة كان اختيارًا من الأمة، وتطبيقًا لمبدأ الشورى، ووفق ترتيب الأفضلية الذي عرفه الصحابة.

دعوى المؤامرة تطعن في نزاهة النبي ﷺ الذي قربهم، وفي الوحي الذي سكت عنهم، وفي عدالة جيل الصحابة الذي بايعهم.

سيرة الخلفاء في الزهد والعدل تنفي عنهم صفة "طلاب الدنيا" أو "المتآمرين" من أجل السلطة.

علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان عضدًا لوزراء النبي ﷺ، مشاركًا في الشورى، مبايعًا بإحسان، ولم ينقل عنه قط حديث عن "مؤامرة" مزعومة.

تحريف معنى "انقلبتم" لرمي الصحابة به هو من قبيل التفسير بالهوى الذي لا يسنده لغة ولا سياق.

اقرأ أيضا| زعمهم علم الصديق بتقدمه على علي مع علمه أنه الوصي

وجود التخطيط يستلزم المعرفة المسبقة بترتيب الوفاة بين الصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم، وهو محال.


لتحميل الملف pdf

تعليقات