أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم جزع الصديق عند احتضاره وشكّه أنه من أهل الجنة

يزعم الشيعة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أصابه الجزع والهلع عند وفاته، وأنه تمنى لو لم يُخلق، معتبرين ذلك دليلًا على شكّه في مصيره، وتكذيبًا لما ورد في تبشيره بالجنة.

قال عالمهم علي النباطي البياضي: «والشيخان قد أكذبا ما روى سعيدٌ فيهما بجزعهما عند موتهما، حتى قال الأول (أبو بكر) لابنته عائشة: هلك أبوك؛ هذا رسول الله معرض عني، فقال عمر: لا تخبروا بذلك، فإنكم أهل بيت يعرف فيكم عند الموت الهذيان» [الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، علي النباطي، 1/143].

وقال عالمهم الحلي: «وقال (أبو بكر) عند احتضاره: ليت أمي لم تلدني! يا ليتني كنت تبنة في لبنة!» [منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، الحلي، ص 99].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن هذه الشبهة قائمة على مرويات لا تثبت سندًا، وفهمٍ سقيم لمقامات الخشية والخشوع التي تمدحها العقول السوية، وإليك التفصيل:

أولًا: بطلان الرواية المنسوبة للصديق عند الموت

إن الروايات التي تدعي جزع الصديق عند احتضاره مكذوبة وباطلة؛ وقد فند شيخ الإسلام ابن تيمية دعوى الحلي (الرافضي) بقوله: «والجواب: أن تكلمه بهذا عند الموت غير معروف، بل هو باطل بلا ريب؛ بل الثابت عنه أنه لما احتضر، وتمثلت عنده عائشة بقول الشاعر:

لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى * إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ

فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]» [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 5/482].

أما ما ورد عن الفاروق عمر رضي الله عنه من قوله: «والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتدبت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه» [صحيح البخاري، 5/12]، فقد ثبت عنه في سياق الخوف من الله وتعظيمه، وقد رددنا عليه في كتابنا (فصل الخطاب في درء الشبهات عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).

ثانيًا: الخوف من الله مقامُ مدحٍ لا مقامُ ذم

لو ثبتت هذه الألفاظ عن الصديق لكانت من قبيل كمال الخشية وتواضع العارفين لربهم، وهذا ممدوح في كتاب الله؛ كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40-41]. وقد اعترف علماء الشيعة بأن هذا المسلك من الصحابة كان لغاية التواضع؛ يقول عالمهم الفيض الكاشاني: «فلا ينبغي أن يكون العالم أكبر عند نفسه من الصحابة؟ وقد كان بعضهم يقول: يا ليتني لم تلدني أمّي..، كلُّ ذلك خوفًا من خطر العاقبة فاكتمل خشوعهم بمثل هذا..، فإذا تفكَّر في ذلك انكسرت نفسه وذلَّ وبطل عزُّه وكبره» [المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني، 6/262].

ثالثًا: الأئمة والصحابة المنتجبون بكوا وتمنوا مثل ذلك

إذا كان تمني عدم الولاية أو البكاء عند الموت دليلًا على الجزع والشك، فماذا يقول الشيعة في أئمتهم وصحابتهم؟

1.            الحسن عليه السلام: روى الصدوق أنه بكي عند وفاته، فلما سُئل عن ذلك قال: «إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع، وفراق الأحبة» [عيون أخبار الرضا، 2/271].

2.            السجاد عليه السلام: جاء في مناجاته: «فليتها لم تلدني ولم تربني، وليتني علمت أمن أهل السعادة جعلتني» [من هدى القرآن، محمد تقي المدرسي، 12/192].

3.            الصحابة المنتجبون (عندهم): روى ابن طاووس أن سلمان الفارسي قال: «يا ليتني كنت كبشًا لأهلي فأكلوا لحمي»، وقال أبو ذر: «يا ليت أمي كانت عاقرًا ولم تلدني»، بل ونسبوا لعلي عليه السلام قوله: «يا ليت السباع مزقت لحمي، وليت أمي لم تلدني» [بحار الأنوار، 43/87؛ الدروع الواقية، ص 274].

فهل هؤلاء أيضًا شكَّاكون؟!

رابعًا: التفريق بين ندم الدنيا وندم الآخرة

تمني الإنسان أن يكون ترابًا يُذمُّ إذا كان بعد المعاينة في الآخرة كما هو حال الكفار، أما في الدنيا فهو علامة توبة وإخبات وتواضع.

فالفاروق والصديق ما كانا أهل جحود، بل أهل خشية، والمنافق لا يخشى النفاق على نفسه أبدًا في الدنيا، وإنما يخشاه المؤمن الصادق.

خامسًا: التوفيق بين التبشير بالجنة وبين الخوف

لا تعارض بين حديث "المبشرين بالجنة" وبين خوفهم؛ فالمؤمن مهما بلغ من اليقين لا يأمن مكر الله، ولعل الله أنساهم ذلك في تلك اللحظات ليرفع درجاتهم بالخشوع، أو أن خوفهم كان من "النفاق الأصغر" الذي ينقص الدرجات ولا يخرج من الملة؛ وهذا من دقة ورعهم وعظيم مراقبتهم لربهم.

الخلاصة:

1.            الرواية التي تدعي إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الصديق أو وصف عمر لأهل بيته بالهذيان مكذوبةٌ جملةً وتفصيلًا، ولا تصح سندًا ولا متنًا.

2.            الثابت عن الصديق عند موته هو رباطة الجأش وتلاوة القرآن، وما نُقل من تمني عدم الخلق فهو ثابت عن علي والسجاد وسلمان في كتب الشيعة أيضًا.

3.            الخوف والوجل عند الموت هو من كمال الإيمان لا من علامات الشك؛ فالمؤمن الصادق هو من يخشى سوء الخاتمة وهول المطلع.

4.            لو طعن الشيعة في الصديق بهذا؛ للزمهم الطعن في مريم عليها السلام {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا}، وفي أئمتهم المعصومين الذين ورد عنهم ما هو أشد من ذلك.


اقرأ أيضا| زعمهم اتهام الفاروق للصديق بأنه آثم كاذب

5.            الشبهة تنقلب مدحًا؛ إذ تُظهر مدى تواضع الشيخين واستصغارهما لأعمالهما العظيمة أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى.


لتحميل الملف pdf

تعليقات