أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

قصة مالك الدار في التوسل برسول الله ﷺ بعد موته

يحاول الخصوم الاستدلال بقصة (مالك الدار) لتجويز الاستغاثة بالأموات والتوسل بهم؛ زاعمين أن أحد الصحابة ذهب إلى قبر النبي ﷺ وطلب منه السقيا، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم ينكر ذلك، مما يجعلها حجة في معتقدهم.

يقول عالمهم جعفر السبحاني: «روى ابن أبي شيبة، بإسنادٍ صحيحٍ، من رواية أبي صالح السمّان، عن مالك الدار -وكان خازن عمر- قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، هلك الناس، استسق لأمّتك..،». [رسائل ومقالات، جعفر السبحاني، 5/473؛ مصنف ابن أبي شيبة، 18/31].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ضعف الرواية من الناحية الحديثية

هذه القصة لا تصح من حيث الإسناد؛ وذلك لوجود علل تقدح في صحتها:

1.         جهالة مالك الدار: مالك الدار ليس معروف العدالة والضبط، وهما شرطان في كل سند صحيح. وقد أورده ابن أبي حاتم في كتابه ولم يذكر توثيقًا له؛ فبقي على الجهالة.

2.         عدم دقة التصحيح: قول الحافظ ابن حجر «بإسناد صحيح من رواية أبي صالح» لا يعني تصحيح كل السند؛ بل يقصد السند إلى أبي صالح فقط، ولو كان يقصد السند كله لذكره بتمامه [انظر: التوسل أنواعه وأحكامه، الألباني، ص 118].

ثانيًا: جهالة الرجل السائل وبطلان تحديد هويته

إن الرجل الذي ذهب إلى القبر في الرواية (مجهول)، والعبادة لا تؤصل برواية المجاهيل.

•          ادعاء صحابيته: زعم بعضهم أن هذا الرجل هو الصحابي بلال بن الحارث المزني مستندين لرواية (سيف بن عمر).

•          الرد: رواية سيف بن عمر باطلة؛ لأن سيفًا هذا ضعيفٌ باتفاق العلماء، بل اتهم بالزندقة ووضع الحديث [انظر: ميزان الاعتدال، 2/256].

ثالثًا: نكارة المتن ومخالفة إجماع الصحابة

هذه القصة منكرة في معناها؛ لأنها تخالف ما ثبت عن الصحابة والتابعين في أحوال القحط:

1.         مخالفة صلاة الاستسقاء: الثابت شرعًا هو التوجه لله بصلاة الاستسقاء والاستغفار؛ كما قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10-11].

2.         فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وهو الأبلغ، فحين وقع القحط لم يذهب عمر وهو بجوار القبر ليسأل النبي ﷺ؛ بل توسل بدعاء العباس رضي الله عنه لكونه حيًّا حاضرًا، فلو كان سؤال الأموات جائزًا لما عدل عمر عنه. قال الشيخ ابن باز: «السائل مجهول، وعمل الصحابة على خلافه..، فتعين أن فعل هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك» [فتح الباري مع تعليقات ابن باز، 2/495].

رابعًا: الرؤى المنامية ليست مصدرًا للتشريع

بتقدير صحة القصة؛ فإنها تحكي (رؤيا منامية)، والقواعد العلمية تقرر أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من المنامات.

كما أن الرؤيا أرشدت عمر لـ "الكيس" (العمل والاجتهاد)، وهو إرشاد للعمل المشروع كصلاة الاستسقاء؛ وليس فيها أن النبي ﷺ سأل الله لهم في المنام.

خامسًا: ما ورد في كتب الرافضة مما ينقض عقيدتهم في التوسل بالأموات

إن في تراث الشيعة أنفسهم نصوصًا صريحة توضح أن "الوسيلة" التي أمر الله بها هي الأعمال الصالحة والفرائض، وليست الاستغاثة بالقبور، وبيان ذلك كما يلي:

1.         قول علي رضي الله عنه في تعريف الوسيلة: جاء في (نهج البلاغة) قوله رضي الله عنه: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله عز وجل: الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله فإنَّه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنَّها الفطرة، وإقام الصَّلاة فإنَّها الملَّة، وإيتاء الزَّكاة فإنَّها فريضةٌ واجبةٌ، وصوم شهر رمضان فإنَّه جنّةٌ من العقاب، وحجّ البيت واعتماره فإنَّهما ينفيان الفقر، ويرحضان الذّنب، وصلة الرّحم فإنَّها مثراةٌ في المال ومنسأةٌ في الأجل، وصدقة السّرّ فإنَّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنَّها تدفع ميتة السّوء، وصنائع المعروف فإنَّها تقي مصارع الهوان». [نهج البلاغة، الشريف الرضي، ص 163].

فهذا النص الشامل لم يذكر فيه علي رضي الله عنه التوسل بذوات الأموات أو الاستغاثة بالقبور؛ بل حصر الوسائل الفضلى في الإيمان والعمل الصالح.

2.         تعريف الوسيلة عند مفسريهم:

o          قال الطبرسي: «الوسيلة: كل ما يتوسل به إليه من الطاعات وترك المقبحات». [تفسير جوامع الجامع، الطبرسي، 1/496].

o          وقال الطباطبائي: «وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، وإذ كانت نوعًا من التوصل وليس إلا توصلًا واتصالًا معنويًّا بما يوصل بين العبد وربه ويربط هذا بذاك، ولا رابط يربط العبد بربه إلا ذلة العبودية، فالوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية، وتوجيه وجه المسكنة والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هي الوسيلة الرابطة». [الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، 5/328].

الخلاصة:

1.         سقوط الاستدلال: قصة مالك الدار ضعيفة السند بجهالة الراوي، ومنكرة المتن بمخالفتها لإجماع الصحابة في الاستسقاء.

2.         فقه عمر: عدول عمر رضي الله عنه عن القبر إلى التوسل بدعاء العباس (الحي) دليل قاطع على بطلان سؤال الأموات.

3.         تناقض الرافضة: يشنعون بطلبات الأموات؛ بينما نصوصهم المعتبرة تؤكد أن الوسيلة هي "الطاعة والعبودية" لله وحده، لا الاستغاثة بغيره.

اقرأ أيضا| الفاروق رضي الله عنه في سطور

4.         منهج الحق: المسلم يتوجه إلى الله مباشرة أو يطلب الدعاء من الحي الصالح؛ أما التوجه للقبور فهو ذريعة للوقوع في الشرك الأكبر.

.


لتحميل الملف pdf

تعليقات