يحتج علماء الرافضة بواقعة استسقاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما؛ محاولين بذلك تسويغ ما يقعون فيه من صرف العبادة لغير الله تعالى، والادعاء بأن التوسل بالذوات والجاه هو حقيقة أثبتتها السنة النبوية، وأن أهل السنة يقرون بها من خلال فعل الفاروق.
ويستدلون بحديث البخاري عن أنس رضي الله عنه: «أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطّلب، فقال: اللهمَّ إنَّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا، قال: فيسقون». [صحيح البخاري، 2/27، برقم 1010].
ويزعم جعفر السبحاني أن هذا التوسل كان بذات العباس لا بدعائه، حيث يقول: «يتّضح بأنّ حقيقة التوسّل، في هذا المجال، هي التوسّل بذات العبّاس ونفسه، أو بشخصيّته ووجاهته عند الله تعالى، لا بدعاء العبّاس». [الوهّابيّة في الميزان، جعفر السبحاني، ص 153].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: التوسل كان "بدعاء" العباس لا بـ "ذاته"
إن السياق التاريخي واللغوي للواقعة يؤكد أن عمر رضي الله عنه قصد التوسل بدعاء العباس وصلاحه، وليس بمجرد ذاته أو جاهه؛ وبيان ذلك من وجوه:
1. تصريح العباس بالدعاء: أخرج الزبير بن بكار بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر، قام فدعا الله قائلًا: «اللهمَّ إنّه لم ينزل بلاءٌ إلَّا بذنبٍ، ولم يكشف إلَّا بتوبةٍ، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيّك، وهذه أيدينا إليك بالذّنوب، ونواصينا إليك بالتّوبة فاسقنا الغيث». [فتح الباري، ابن حجر، 2/497].
فلو كان التوسل بالذات كافيًا، لما قام العباس ودعا بهذا الدعاء الطويل والمؤثر.
2. فهم شراح الحديث: أكد المتقدمون والمتأخرون أن معنى "نتوسل إليك بنبينا" أي بدعائه وشفاعته حال حياته، و"بعم نبينا" أي بدعائه بعد وفاة النبي ﷺ. [مرقاة المفاتيح، المباركفوري، 5/192؛ وموسوعة الألباني في العقيدة، 3/604].
ثانيًا: وحدة نوع التوسل بين النبي ﷺ والعباس
صرح عمر رضي الله عنه بأنهم كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ ثم عدلوا للعباس؛ ومما لا شك فيه أن هذين التوسلين من نوع واحد. وبما أن توسلهم بالرسول ﷺ في حياته كان بطلب الدعاء منه، فيلزم ضرورةً أن يكون توسلهم بالعباس هو من نوع طلب الدعاء أيضًا؛ لاتحاد السياق والمقام.
ثالثًا: العدول عن الفاضل إلى المفضول دليل بطلان التوسل بالميت
إن فعل عمر رضي الله عنه يُعد أقوى حجة "ضد" الرافضة؛ فلو كان التوسل بذات الميت أو جاهه جائزًا، لكان التوسل بجاه النبي ﷺ وهو ميت أولى وأعظم وأقرب إلى الإجابة من التوسل بالعباس وهو حي.
فعدول عمر والصحابة عن قبر النبي ﷺ إلى دعاء العباس دليل قاطع على أن التوسل المشروع إنما يكون بالأحياء الحاضرين بدعائهم، لا بالأموات في قبورهم.
رابعًا: سبب اختيار العباس رضي الله عنه
لم يكن اختيار العباس رضي الله عنه لمجرد كونه من أهل البيت بالمعنى الذي يريده الرافضة؛ بل كان لقرابته القريبة من النبي ﷺ إظهارًا لمكانة النبي ﷺ عند ربه، ولهذا قال العباس في دعائه: «لمكاني من نبيك». وهذا تقديرٌ للرحم والقرابة التي أمر الله بصلتها، وليس تأصيلًا لعبادة الذوات.
خامسًا: ما ورد في كتب الرافضة مما ينقض عقيدتهم في التوسل بالأموات والذوات
إنَّ المتأمل في المصادر المعتمدة عند الرافضة يجد نصوصًا صريحة تهدم تأصيلهم المعاصر للتوسل بالذوات والقبور، وتؤكد أنَّ "الوسيلة" الشرعية هي الأعمال الصالحة والفرائض التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وبيان ذلك في الوجوه التالية:
1. تعريف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للوسيلة: جاء في (نهج البلاغة) قوله رضي الله عنه: «إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله عز وجل الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله؛ فإنَّه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص فإنَّها الفطرة، وإقام الصَّلاة فإنَّها الملّة، وإيتاء الزّكاة فإنَّها فريضةٌ واجبةٌ، وصوم شهر رمضان فإنَّه جنّةٌ من العقاب، وحجّ البيت واعتماره فإنَّهما ينفيان الفقر ويرحضان الذّنب، وصلة الرّحم فإنَّها مثراةٌ في المال ومنسأةٌ في الأجل، وصدقة السّرّ فإنَّها تكفّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنَّها تدفع ميتة السّوء، وصنائع المعروف فإنَّها تقي مصارع الهوان». [نهج البلاغة، الشريف الرضي، ص 163].
فعلي رضي الله عنه ذكر جملةً من الأعمال الصالحة والفرائض التي يتقرب بها الإنسان ويتوسل بها إلى الله تعالى، ولم يذكر في هذا المقام الجامع التوسل بالذات أو الجاه أو القبور، وهو ما يعد ردًا صريحًا على ما أحدثه المتأخرون.
2. بطلان محاولة تأويل النص: حاول علماء الشيعة تأويل كلام أمير المؤمنين ليدفعوا التعارض بينه وبين معتقدهم؛ فجاء في (موسوعة الأسئلة العقائدية): «ثمَّ إنّ الإمام أمير المؤمنين لم يحصر الوسيلة بالعمل الصالح، وإنَّما قال: أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى الله عز وجل كذا وكذا، وذكر مجموعة من الأعمال الصالحة، وهذا معناه توجد وسائل فاضلة، ولكن هذا أفضل». [موسوعة الأسئلة العقائدية، مركز الأبحاث العقائدية، 3/213].
3. تفنيد التأويل: هذا التأويل مردودٌ عليهم من واقع معتقدهم؛ لأنهم لا يسلمون أصلًا بأنَّ الأعمال الصالحة هي "الأفضل"، بل يقررون بوضوح أنَّ التوسل بالأئمة هو "أفضل" أنواع الوسائل وأعلاها رتبة، وهو ما يصادم صريح كلام علي رضي الله عنه في (نهج البلاغة). يقول ميثاق الحلي: «والتوسل بهم (صلوات الله عليهم) هو نوع من أنواع الوسيلة الصالحة التي حث القرآن الكريم على التمسك بها، بل أفضلها». [قرة العين في صلاة الليل، ميثاق عباس الحلي، ص 94].
إنَّ هذا التناقض بين كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبين ما يقرره علماء الرافضة المتأخرون، يثبت أنَّ عقيدة التوسل بالذوات والجاه هي عقيدة محدثة، تخالف منهج الصحابة وآل البيت الذين كانوا يجعلون "الوسيلة" هي الإخلاص والعمل الصالح والتقرب إلى الله بفرائضه وطاعاته.
الخلاصة:
1. الدعاء هو الوسيلة: التوسل بالعباس كان طلبًا لدعائه وصلاحه وقرابته، وليس استغاثةً بذاته من دون الله.
2. فقه الصحابة: إجماع الصحابة على الاستسقاء بالحي (العباس) وترك الاستغاثة بالميت (النبي ﷺ) هو أصلٌ عظيم في سد أبواب الشرك.
3. الرد من كتبهم: تعريف علي رضي الله عنه للوسيلةِ بالعمل الصالح يهدم كل ما بناه المتأخرون من الرافضة في باب الاستغاثة بالقبور والذوات.
اقرأ أيضا| الطعنُ في نسبِ الفاروقِ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه
4. الحق الصريح: التوسل المشروع هو التقرب إلى الله بأسمائه وصفاته، أو بعمل صالح لصاحب الدعاء، أو بطلب الدعاء من رجل حي حاضر ترجى بركته وصلاحه.
لتحميل الملف pdf