يحاول عالمهم الحلي التشكيك في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من خلال مقولة منسوبة إليه وهي: «أقيلوني فلست بخيركم»، حيث يقول الحلي: «إن كانت إمامته حقًا، كانت استقالته منها معصية، وإن كانت باطلة لزم الطعن». (منهاج الكرامة، الحلي، 1/99).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية من الناحية الحديثية
القاعدة العلمية تقول: "ثبّت العرش ثم انقش"؛ أي يجب أولًا إثبات صحة الكلام قبل البدء في بناء استنتاجات عليه. والحقيقة أن هذه المقولة لم تصح أبدًا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
فقد وردت هذه القصة في بعض الكتب بإسناد فيه راوٍ يدعى "تليد بن سليمان"، وعند مراجعة أقوال علماء الجرح والتعديل فيه نجد ما يلي:
قال الإمام أحمد وابن معين: «كان كذابًا». (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 1/155).
قال أبو داود: «رافضي خبيث» (المغني في الضعفاء، الذهبي، 1/118).
قال النسائي والدارقطني: «ضعيف» (الضعفاء والمتروكون، النسائي، ص 26).
وقد حكم الحافظ ابن حجر على هذا الحديث بأنه: «منكر متنًا، ضعيق منقطع سندًا» (التلخيص الحبير، ابن حجر، 4/128).
وعليه؛ فلا يصح بناء حكم شرعي أو تاريخي على قصة مكذوبة.
ثانيًا: طلب الإقالة دليل على الزهد لا على بطلان الخلافة
حتى لو افترضنا (جدلًا) أن الرواية صحيحة، فإن طلب الإقالة ليس دليلًا على عدم الأهلية، بل هو أعظم دليل على زهد الصديق في السلطة وعدم طمعه في الرئاسة.
وفي نفس الرواية التي يستدل بها الخصوم، نجد الرد القاطع من علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال للصديق: «والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدًا، قدّمك رسول الله ﷺ تصلي بالناس، فمن ذا يؤخرك؟» (فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، ص 131).
فَفَهْمُ علي رضي الله عنه للطلب كان أنه "تواضع وزهد"، بينما فهم الشيعة المتأخرون أنه "عدم صلاحية"؛ فمن نصدق؟ علي بن أبي طالب أم المشككين؟
ويشرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن طلب الإقالة قد يكون من باب التواضع أو استشعار ثقل المسؤولية، وهذا لا يسقط حق الإمام في منصبه؛ تمامًا كالرجل الذي يعقد بيعًا صحيحًا ثم يطلب من الطرف الآخر إلغاءه تواضعًا أو إحسانًا (منهاج السنة النبوية، 5/469).
ثالثًا: إلزام الشيعة بموقف علي بن أبي طالب من الخلافة
هنا نضع المحاور في "زاوية الإلزام"؛ فإذا كان طلب الإقالة أو الاعتذار عن الخلافة دليلًا على بطلانها، فإن هذا الطعن سيصيب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قبل غيره؛ لأنه صرح بزهده في الخلافة وطلب من الناس أن يبايعوا غيره! فقد جاء في كتاب (نهج البلاغة) أن عليًّا قال عندما أراده الناس للبيعة: «دَعُوني وَالْتَمِسُوا غَيْرِي... وَأَنَا لَكُمْ وَزِيرًا، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيرًا!». (نهج البلاغة، الشريف الرضي، 1/181).
وقال أيضًا في نص آخر: «وَاللهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ، وَلَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ، وَلكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا» (نهج البلاغة، الشريف الرضي، 1/184).
التحليل الإلزامي:
إذا كان قول الصديق "أقيلوني" معصية أو طعنًا في إمامته، فماذا تقولون في قول علي "دعوني والتمسوا غيري"؟
إذا كان اعتذار الصديق يعني أنه غير صالح، فهل يعني اعتذار علي أنه يرى نفسه غير صالح أيضًا؟ إن التفريق بين الموقفين هو تناقض صارخ؛ فإما أن يكون الزهد في السلطة "فضيلة" للرجلين، أو "نقيصة" تبطل إمامتهما معًا، وهذا ما لا يلتزم به الشيعة.
رابعًا: إلزام الشيعة من أدعية أئمتهم (السجاد نموذجًا)
من باب الإلزام أيضًا، نجد في كتب الشيعة أن أئمتهم يصفون أنفسهم بأوصاف شديدة من باب التواضع لله؛ فالسجاد (علي بن الحسين) يقول في دعائه: «وَأَنَا الَّذِي أَفْنَتِ الذُّنُوبُ عُمُرَهُ، وَأَنَا الَّذِي بِجَهْلِهِ عَصَاكَ». (الصحيفة السجادية، ص 78).
والسؤال: هل ستأخذون هذا الكلام على حقيقته وتسقطون عدالة وإمامة السجاد لأنه اعترف بالجهل والمعصية؟ بالتأكيد ستقولون: "هذا من باب التواضع والتعليم".
فإذا كان هذا مقبولًا في حق السجاد، فلماذا تمنعونه عن الصديق وتجعلون تواضعه طعنًا في دينه وخلافته؟
الخلاصة:
قصة "أقيلوني" لم تثبت من الناحية العلمية، ورواتها بين كذاب ومتروك ورافضي خبيث.
طلب الإقالة -لو صح- هو قمة الزهد والتواضع، وقد قابله علي بن أبي طالب بالرفض القاطع والتمسك بإمامة الصديق.
بطلان قاعدة "الاستقالة تعني عدم الأهلية"؛ لأن عليًا بن أبي طالب طلب من الناس التماس غيره، وهذا لم يقدح في إمامته عند أحد.
اقرأ أيضا| طعنهم في بيعة الصديق لقول عمر رضي الله عنه: «كانت فلتة»
التناقض الواضح في منهج الخصم؛ حيث يفسرون كلام أئمتهم على أنه "تواضع"، ويفسرون كلام الصديق على أنه "معصية"، وهذا من أعظم الظلم والجور في الحكم.
لتحميل الملف pdf