يحاول بعض منظري الشيعة التشكيك في شرعية خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالتمسك بكلمة قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي: «إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة»؛ حيث اعتبروا أن وصف "الفلتة" يعني أن البيعة تمت بلا تدبير أو استحقاق.
بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فادعوا أن عمر قال هذه الكلمة كراهيةً وحقدًا على أبي بكر. (مسائل خلافية حار فيها أهل السنة، علي آل محسن، ص 53؛ وموسوعة من حياة المستبصرين، 1/469).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: المعنى اللغوي والسياق التاريخي لكلمة (فلتة)
من المهم جدًّا فهم مقصود العرب من كلماتهم في سياقها الزماني؛ فكلمة "فلتة" في لسان العرب لا تعني الخطأ أو البطلان، بل تعني "الفجأة" أو الأمر الذي لم يسبقه ترتيب طويل. وقد أوضح العلماء أن عمر رضي الله عنه أراد أن يقول إن البيعة لم تكن عن مؤامرة سرية أو تخطيط مسبق، بل وقعت فجأة لضرورة منع الفتنة بعد موت النبي ﷺ.
ويشرح الزمخشري هذا المعنى بقوله: إنها كانت فجأة؛ لأن أكابر الصحابة لم ينتظروا اجتماع كل الناس، بل بادروا بها لعلمهم اليقيني أنه لا يوجد منازع لأبي بكر في أفضليته واستحقاقه. (الفائق في غريب الحديث، الزمخشري، 3/139).
ثانيًا: المناسبة التي قيلت فيها هذه الكلمة
لا يصح أخذ جملة وترك سياقها؛ فعمر رضي الله عنه قال هذا الكلام ليزجر رجلًا قال: «إن مات عمر أبايع فلانًا وحدي»، فأراد عمر أن ينبه المسلمين أن ما حدث مع أبي بكر كان حالة استثنائية لا يجوز تكرارها بغير مشورة عامة.
ويوضح الآلوسي أن بيعة أبي بكر -وإن كانت مفاجئة- إلا أنها "صادفت أهلها"، بدليل أن النبي ﷺ قدمه في الصلاة والقرائن كانت تدل عليه.
وفي نفس الرواية التي يحتج بها الشيعة، نجد عمر يقول في نهايتها: «وأيكم مثل أبي بكر؟»، وهذا اعتراف صريح بأن استثناءه من طول المشورة كان لتميزه الذي لا يلحقه فيه أحد (مختصر التحفة الاثني عشرية، الآلوسي، ص 243).
ثالثًا: لماذا وصفها عمر بـ "الفلتة"؟
هناك سببان رئيسان لهذا الوصف ذكرهما المحققون من علماء المسلمين:
وضوح استحقاق أبي بكر: لم تكن هناك حاجة لاجتماعات طويلة؛ لأن مكانة أبي بكر كانت كالشمس، فاجتمع الناس عليه فورًا. يقول ابن تيمية: إنها كانت فجأة لأننا لم نكن بحاجة لتهيئة الناس، فالجميع يعلم أنه الأحق، ولا يوجد بعده من يجتمع الناس على فضله كاجتماعهم عليه. (منهاج السنة النبوية، 8/278).
خشية الفتنة وتفرق الكلمة: كان هناك خوف حقيقي من خروج الأمر عن قريش، مما قد يؤدي لتفكك العرب وارتدادهم؛ فكان من "النظر السديد" المبادرة بعقد البيعة لمن هو أهل لها لقطع الطريق على الشيطان. (الرياض النضرة، محب الدين الطبري، 1/238).
رابعًا: تناقض موقف الخصوم من "الفلتة" و"التخطيط"
يقع المستدلون بهذه الشبهة في تناقض عجيب؛ فهم تارةً يقولون إن الصحابة خططوا وتآمروا للاستيلاء على السلطة، وتارةً يتمسكون بقول عمر إنها كانت "فلتة" (أي فجأة بلا تخطيط).
فإذا كانت فلتة، بطلت دعوى "المؤامرة المسبقة" التي تملأ كتبكم؛ وإذا كانت مؤامرة، فكيف تصدقون عمر حين وصفها بالفلتة؟ هذا التخبط دفع بعض علمائهم مثل جعفر مرتضى العاملي للقول إن عمر كان "يوهم الناس ويعمي عليهم" بادعاء أنها فجأة. (الصحيح من سيرة الإمام علي، 14/211).
وهذا يعني أنهم يكذبون عمر عندما لا يناسب هواهم، ويصدقونه عندما يظنون أن في كلامه مطعنًا!
خامسًا: موقف علي بن أبي طالب من هذه البيعة
إذا كانت هذه البيعة "فلتة باطلة" كما يزعمون، فلماذا بايع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأقرها؟ هل يقر الإمام المعصوم -عندهم- باطلًا؟ يعترف عالمهم محمد حسين كاشف الغطاء بموقف علي قائلًا: "إن عليًا عندما رأى الخليفة الأول والثاني يبذلان الجهد في نشر التوحيد وتجهيز الجيوش ولم يستبدا بالأمر، بايع وسالم" (أصل الشيعة وأصولها، ص 193).
وهذا اعتراف صريح بأن "الفلتة" لم تمنع شرعية الخلافة، وأن الثمار التي نتجت عنها من فتوحات وعدل كانت كافية ليقر بها علي رضي الله عنه ويبايع أصحابها.
الخلاصة:
وصف "الفلتة" يعني الفجأة وعدم التخطيط المسبق، وهو أكبر دليل ينفي فرية "المؤامرة" التي يتهم بها الصحابة.
استخدام عمر لهذا الوصف كان لحماية منصب الخلافة من أن يتجرأ عليه كل أحد، مؤكدًا في الوقت ذاته أن أبا بكر حالة فريدة لا يُقاس عليها لعدم وجود مثيل له.
التناقض الواضح في الاستدلال؛ فإما قبول قول عمر بأنها فجأة (وهذا يهدم المؤامرة)، أو ادعاء التخطيط (وهذا يكذب قول عمر الذي يستدلون به).
اقرأ أيضا| زعمهم عدم حضور الصديق دفن النبي ﷺ والصلاة عليه
إقرار علي بن أبي طالب للبيعة ومبايعته للصديق -بشهادة كبار علماء الشيعة- يثبت أن هذه "الفلتة" قد وقى الله شرها وصارت حقًا شرعيًا وواقعًا مباركًا للإسلام والمسلمين.
لتحميل الملف pdf