يزعم الشيعة أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه لا يصلح للخلافة؛ كون النبي ﷺ قد عزله عن إمارة الناس في الحج سنة تسع من الهجرة، وأرسل عليًّا رضي الله عنه خلفه ليبلغ سورة "براءة".
واستدلوا بقول النبي ﷺ: «لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني»، قائلين: «من لم يصلح لأداء سورة واحدة إلى أهل بلدة فهو لا يصلح للرئاسة العامة». [الصحيح من سيرة الإمام علي، جعفر مرتضى (7/9، 31)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: ثبوت إمارة الصديق للحج بالتواتر وإقرار الخصوم
إنَّ إمارة الصديق للحج سنة تسع هي من الحقائق التاريخية المتواترة التي لا مجال لردها؛ فقد ثبت في «صحيح البخاري» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك».
ومما يقطع بصحة هذه الواقعة أنَّ كبار مؤرخي الشيعة وأعلامهم أقروا بها في مصادرهم؛ فقد ذكر المؤرخ المسعودي في «مروج الذهب» (4/301): «ثم كانت سنة تسع، فحج بالناس أبو بكر الصديق... فأقام أبو بكر الحج وخطب بمكة».
ولا يخفى على باحث متقن أن المسعودي هذا شيعي، ففي منتهى المقال: «أقول: المسعودي هذا من أجلَّة العلماء الإماميّة، ومن قدماء الفضلاء الاثني عشريّة، وممّن صرّح بذلك أيضًا: السيّد ابن طاووس في كتاب النجوم عند ذكر العلماء العالمين بالنجوم؛ حيث قال: ومنهم الشيخ الفاضل الشيعي علي بن الحسين بن علي المسعودي مصنّف كتاب مروج الذهب». انظر: منتهى المقال في أحوال الرجال، المازندراني (4/٣٩١) بتصرف.
كما اعترف بذلك علي كاشف الغطاء، والشريف المرتضى في «الشافي» (4/155) بقوله: «إنا لا ننكر أن تكون أكثر الأخبار واردة بأن أبا بكر حج بالناس في تلك السنة».
وهذا التواتر يثبت أنَّ أبا بكر ظل هو الأمير والقائد والموجه للمناسك، وعليٌّ رضي الله عنه كان من جملة رعيته في تلك الحجة، مأمورًا بتبليغ رسالة محددة تحت إشراف الأمير.
ثانيًا: حقيقة مهمة علي رضي الله عنه (البلاغ لا الإمارة)
إنَّ إرسال علي رضي الله عنه لم يكن عزلًا لأبي بكر، بل كان لمهمة "بلاغية" تتوافق مع أعراف العرب، وهو ما صرَّح به عليٌّ نفسه؛ فقد روى الترمذي وصححه عن زيد بن يُثَيْعٍ قال: سألنا عليًّا: بأي شيء بُعثت في الحجة؟ قال: «بُعثت بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدته...».
فهذا النص يوضح أنَّ عليًّا لم يقل إنه بُعث "أميرًا"، ولو كان قد نال الإمارة لذكرها لأنها الأصل، لكنه نصَّ على مهام البلاغ فقط، مما يثبت أنَّ أبا بكر كان "الأمير" وعلي هو "المبلغ"، ولا تعارض بين الوظيفتين في القيادة الواحدة.
ثالثًا: العرف العربي في نقض العهود وسر اختيار علي
إنَّ تخصيص رجل من أهل البيت بتبليغ "براءة" ليس طعنًا في كفاءة الصديق، بل هو قطع لحجج المشركين؛ إذ يوضح ابن العربي في «أحكام القرآن» (2/454) أنَّ سيرة العرب كانت تقضي بألا يحلَّ العقد إلا الذي عقده أو رجل من بيته، فأراد النبي ﷺ أن يقطع ألسنتهم بالحجة التي يفهمونها.
وعليه، فإنَّ اختيار عليٍّ كان لعلة "القرابة" التي يتطلبها عُرف المشركين في المعاهدات، لا لعلة "الأفضلية المطلقة" في الإدارة، بدليل أنَّ النبي ﷺ أبقى أبا بكر أميرًا على الحج وعلى عليٍّ نفسه، ولو كان الصديق غير أهلٍ للبلاغ لمَا ائتمنه النبي ﷺ على قيادة أعظم شعيرة دينية وتوجيه المسلمين فيها.
رابعًا: دحض فرية "عدم تأمير أحد على علي رضي الله عنه"
يزعم الشيعة أنَّ النبي ﷺ لم يُؤمّر على عليٍّ أحدًا طيلة حياته، وهذا كذبٌ وافتراء؛ فالنبي ﷺ كان يناوب القيادة بين أصحابه، فولي خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهم، وكان في جيوشهم من هو أفضل منهم لمصلحة المهمة.
والأصل أنَّ عليًّا كغيره من الصحابة، كان يمتثل لأمر النبي ﷺ بالسمع والطاعة لكل أمير يوليه؛ فقد ثبت بالتواتر تولية غير علي على سرايا وغزوات كان عليٌّ فيها أو غاب عنها.
ولو كان النصر لا يكون إلا به -كما يزعمون- لمَا أخرج النبي ﷺ جيش مؤتة بقيادة زيد وجعفر وابن رواحة وهو ليس فيهم! فالثابت أنَّ عليًا في حجة سنة تسع كان تحت إمرة أبي بكر الصديق، يصلي خلفه ويأتمر بأمره كبقية الرعية.
خامسًا: بطلان حصر الأهلية للبلاغ في علي رضي الله عنه
يدعي الخصوم أنَّ الصديق لا يصلح لبلاغ سورة براءة، وهذا باطل من وجهين:
مخالفة المعلوم من الدين: فالبلاغ عن الله ورسوله واجب على كل مسلم، وحصر الدين في "رجل من أهل البيت" يهدم عالمية الدعوة. وكما ذكر محمد رشيد رضا في «رسائل السنة والشيعة»، فإنَّ قوله ﷺ: «ليبلغ الشاهد الغائب» كان نداءً عامًا للألوف، فكيف يُزعم أنَّ كبار الصحابة غير مؤهلين لتبليغ سورة من القرآن؟!
الطعن في العصمة: هذا الزعم يرتد بالطعن على "عصمة النبي ﷺ"؛ فلو كان الصديق غير أهلٍ للبلاغ، لكان اختيار النبي ﷺ له في البداية "خطًا" (وحاشاه)؛ ولذلك تناقضت روايات الشيعة؛ فمنهم من زعم أنَّ الله عاتب نبيه لسوء الاختيار، ومنهم من ادعى أنَّ النبي ﷺ لم يرسل أبا بكر أصلًا، وهذا الاضطراب يكشف زيف الشبهة.
سادسًا: تناقضات الروايات الشيعية
تظهر هشاشة الشبهة في مروياتهم التي تطعن في عليٍّ نفسه؛ فبعض روايات «بحار الأنوار» (35/303) تذكر أنَّ عليًا اعتذر عن الذهاب بـ "براءة" قائلًا: «إنك خطيب وأنا حديث السن»، فكيف يكون حديث السن عذرًا لمن يدعون أنه الإمام المعصوم المؤهل لكل عظيم؟!
إنَّ هذه التناقضات تثبت أنَّ الروايات وُضعت للنيل من الصديق، فارتدت بالطعن في مقام النبوة وفي علي رضي الله عنه.
الخلاصة:
بقاء الإمارة: ثبت يقينًا بتواتر الأخبار وإقرار مؤرخي الشيعة أنَّ أبا بكر الصديق ظل أميرًا للحج ولم يُعزل عن منصبه.
موجب التخصيص: إرسال علي رضي الله عنه كان لإجراء بروتوكولي تقتضيه أعراف العرب في فض العهود لقطع حجة المشركين، ولا علاقة له بالأهلية للخلافة.
مقام التبعية: كان علي رضي الله عنه في تلك الحجة مأمورًا تحت قيادة أبي بكر، يصلي خلفه ويدفع بدفعه، مما يثبت صلاحية الصديق للولاية.
اقرأ أيضا| زعمهم أنَّ الصديق قال عن عائشة: «مَا تَنْتَظِرُ بِهَذِهِ الَّتِي خَانَتْكَ وَفَضَحَتْنِي؟»
تزييف العموم: محاولة جعل "البلاغ" محصورًا في علي هو تصادم مع أصول الإسلام التي توجب التبليغ على كل مسلم، وتصادم مع الواقع التاريخي في إرسال الرسل والمبلغين لكل الأقطار.
لتحميل الملف pdf