يزعم الشيعة أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أحبَّ الرجال إلى النبي ﷺ، محتجين بروايات يظنونها تعارض ما ثبت في الصحيحين، ومن ذلك رواية النعمان بن بشير التي جاء فيها أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت: «وَاللهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ عَلِيًّا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَبِي»، ورواية جُميع بن عمير عن عائشة أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْهُ» تقصد عليًّا، وادعوا أنَّ هذه الروايات تُسقط حديث عمرو بن العاص الثابت في الصحيحين، بدعوى التعارض وشهادة عائشة لعليٍّ.
[مسند أحمد (30/373)، خصائص علي للنسائي (ص127)، المستدرك للحاكم (3/167)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: نكارة اللفظة واضطراب الرواية الأولى
إنَّ البحث العلمي يقتضي فحص كل كلمة في الرواية، فالصحة الإجمالية للسند لا تعني صحة كل زيادة في المتن، خاصة إذا خالف الراوي من هو أحفظ منه وخالف الثابت المستفيض.
فرواية النعمان بن بشير اختلف فيها الرواة؛ إذ رواها يونس بن أبي إسحاق بزيادة (أنَّ عليًا أحب إليك من أبي)، بينما رواها أخوه "إسرائيل بن أبي إسحاق" -وهو أثبت منه- دون هذه اللفظة، كما عند أحمد في «المسند» (18394)، وكذلك رواها حجاج بن محمد عن يونس دون هذه اللفظة عند أبي داود (4999).
فجملة (عليٌّ أحب إليك من أبي) لفظة منكرة ومضطربة، ويونس بن أبي إسحاق تكلم العلماء في حفظه، وقال فيه الإمام أحمد: «حديثه مضطرب». لذا فالمحفوظ في القصة هو دفاع النبي ﷺ عن عائشة أمام أبيها، أما تفضيل عليٍّ في المحبة فزيادة نكراء لا تثبت حديثًا.
ثانيًا: تقديم النص الصحيح الصريح (حديث عمرو بن العاص)
عند وقوع تعارض متوهم بين نصوص، يُقدم الأصح سندًا والأصرح دلالة، ولا يُعدل عن النص "المتفق عليه" إلى النص "المختلف فيه" أو "المنكر".
فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص أنه سأل النبي ﷺ: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، قلت: من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم مَن؟ قال: «عمر».
وهذا نصٌّ قولي صريح من النبي ﷺ في مقام التعليم والإرشاد، وهو مقدمٌ إجماعًا على الروايات التي فيها حكاية حال أو تصوير موقف (بفرض صحتها)؛ لأنَّ القول أقوى في الدلالة من التقرير، وما في الصحيحين يُقدم على غيرهما بلا ريب.
ثالثًا: تهافت روايات "جُميع بن عمير" (سقوط الدليل بفساد الراوي)
لا يُقبل في موازين النقد أن ينفرد راوٍ "متهم" بزيادات تخدم مذهبه البدعي، وجُميع بن عمير هو الركيزة التي قامت عليها باقي روايات الشبهة في المستدرك والترمذي.
قال الإمام البخاري في جُميع: «فيه نظر» (وهي من أشد جرحه)، وقال ابن نمير: «كان من أكذب الناس». انظر «التاريخ الكبير» (2/237)، وفي «الضعفاء الصغير» (ص 28). وقال ابن حبان: «كان رافضيًّا يضع الحديث». انظر «المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين» (1/216).
وبما أنَّ القاعدة الحديثية تقرر عدم قبول رواية المبتدع إذا كان الحديث يعضد بدعته ويشيدها، فإنَّ أحاديث جُميع في تفضيل عليٍّ على الصديق في المحبة مردودة اتفاقًا؛ لتوافر تهمة الكذب والوضع وغلبة الهوى، خاصة مع معارضتها للصحيح المستفيض.
رابعًا: الجمع بين المحبتين
بفرض التنزل وقبول بعض هذه الروايات، فإنَّ المحبة عند النبي ﷺ جهات وأنواع، ولا يلزم من إثبات نوع منها لشخص نفيه عن الآخر في مقام آخر.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (7/27): «يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْمَحَبَّةِ، فَيَكُونُ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمُومِهِ بِخِلَافِ عَلِيٍّ».
ويُجمع بين النصوص بأنَّ عليًا وفاطمة هما أحب "أهل البيت" إليه ﷺ، بينما أبو بكر وعائشة هما أحب "الناس" (الصحابة) إليه مطلقًا، وهذا التعدد في المحبة ثابت في نصوص كثيرة تغاير فيها النبي ﷺ في ذكر "أحب الأعمال" أو "أحب الناس" بحسب مقتضى الحال.
خامسًا: شهادة علي رضي الله عنه ووفاق الصحابة
إنَّ من أعلم الناس بمكانة الصديق في قلب النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب نفسه، والواقع العملي في حياة الصحابة كان يصدق ذلك ويؤكده.
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: «كنت فيمن تكنَّف عمر (بعد وفاته)، فالتفتُّ فإذا هو عليٌّ.. فقال: ما خلَّفتُ أحدًا أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بعمله منك.، وإن كنتُ لأظنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لقول النبي ﷺ: جئتُ أنا وأبو بكر وعمر».
وهذا اعترافٌ صريح من علي رضي الله عنه بتقديم الصديق والفاروق، وملازمتهما للنبي ﷺ في كل مشهد، مما يقطع بأنَّ إجماع الصحابة -وعليٌّ منهم- كان منعقدًا على أنَّ الصديق هو الأحب والأفضل، ولا يلتفت بعد ذلك لمن شذَّ بروايات واهية أو مكذوبة.
سادسًا: تهافت بقية الروايات
بالنظر في بقية الروايات التي يستدل بها أصحاب الشبهة، نجد أنها تشترك في علة واحدة، وهي انفراد راوٍ متهم في عدالته وضبطه بنقل هذه المناكير، مما يسقط صلاحيتها للاحتجاج.
عامة الروايات الأخرى مدارها على "جُميع بن عمير"، وهو راوٍ شديد الضعف؛ قال فيه الإمام البخاري: «فيه نظر»، وقال ابن حبان: «كان رافضيًّا يضع الحديث»، ووصفه ابن نمير بأنه: «من أكذب الناس». [تهذيب التهذيب (2/112)، ميزان الاعتدال (2/34)].
ويُجمع نقاد الحديث على أنَّ مَن قيل فيه «فيه نظر» عند البخاري فهو في أدنى درجات المتروكين، فكيف إذا انضاف إلى ذلك تهمة "الوضع"؟! كما أنَّ الحديث إذا عضد بدعة الراوي الغالي رُدَّ اتفاقًا، فكيف وهو يعارض أصح الصحيح؟! وبذلك تسقط هذه الطائفة من الروايات لفساد رواتها.
الخلاصة:
اضطراب السند: الروايات المعارضة إما منكرة اللفظ (كزيادة يونس بن أبي إسحاق)، أو ساقطة بالوضع (كروايات جُميع بن عمير)، فلا تقوى على معارضة الثابت المستفيض.
فساد الاستدلال: الرواية التي اعتمدت على "جُميع بن عمير" ساقطة علميًّا؛ لاتهامه بالكذب والوضع، ولأنَّ الحديث يعضد بدعته، وما كان هذا حاله فهو مردودٌ إجماعًا.
قطعية الصحيح: يظل حديث عمرو بن العاص في الصحيحين هو الأصل القولي الصريح الذي لا يحتمل التأويل في تقديم الصديق في المحبة المطلقة.
اقرأ أيضا| زعمهم أن من السنة الضحكَ عند سبِّ الصديق رضي الله عنه
تعدد جهات المحبة: لا تعارض بين محبة "أهل البيت" ومحبة "الصديق"؛ فلكلٍّ فضله ومكانه، وأهل السنة يوالون الجميع ويضعون كلًا في منزلته بلا غلوٍّ أو جفاء.
لتحميل الملف pdf