يذكر علماء الشيعة، ومنهم الحلي، أن النبي ﷺ عندما استشار أصحابه قبل معركة بدر، تكلم أبو بكر فأعرض عنه النبي، ثم تكلم عمر فأعرض عنه أيضًا؛ وهذا في نظرهم يثبت أن مكانتهما كانت منخفضة عند الرسول ﷺ (نهج الحق وكشف الصدق، الحلي، 1/339).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: مكانة الصديق والفاروق كوزراء ومستشارين
من المعروف في سيرة النبي ﷺ أن أبا بكر وعمر لم يكونا مجرد شخصين عاديين، بل كانا بمثابة "الوزراء" له؛ فلا يفارقانه أبدًا في سفر أو حضر، وهذا يدل على عمق الثقة في رأيهما.
ويؤكد الإمام ابن حزم هذه الحقيقة بقوله: " فكانت شجاعة أبي بكر رضي الله عنه التي يقرُّ له بها سائر الصحابة، هي الثبات يوم الحرب، وملازمة رسول الله ﷺ في أصعب المواقف، وتدبير الرأي الذي كان رسول الله ﷺ لا يقضي أمراً دونه، ولم يزل بجنبه يؤنسه ويسانده بقلبه وفكره في كل موطن..، وكذا كان حال عمر رضي الله عنه؛ فإن شجاعة هؤلاء الأئمة إنما هي في الرأي الموفق، والتدبير للأمور، والثبات عند اللقاء، وهي الشجاعة التي يحتاج إليها القادة والأمراء الذين يدبرون الجيوش..، فكان الصديق والفاروق رضي الله عنهما من أكمل الناس في هذا المعنى الذي هو أعلى مراتب الشجاعة " (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، 4/107) بتصرف.
والدليل على أن النبي ﷺ كان يقدر رأيهما، هو أنه في بداية الاستشارة ليوم بدر بدأ بهما أولًا؛ فقد روى الإمام أحمد أن النبي ﷺ استشار الناس، فقام أبو بكر وأعطى رأيه، ثم قام عمر وأعطى رأيه (مسند أحمد، 20/281).
فلو كان النبي ﷺ يحتقر رأيهما أو يراه بلا قيمة، فلماذا يطلب منهما الكلام في البداية؟
ثانيًا: حقيقة ما دار في مشورة بدر
عندما تكلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، كان كلامهما مليئًا بالشجاعة والوفاء، ولم يكن فيه ما يدعو للنقد؛ بل إن القرآن الكريم مدح المؤمنين الذين ثبتوا مع النبي ﷺ ونصروا دينه في قوله تعالى: "وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ" [الأنفال: 62].
والمؤرخ الطبري ذكر بوضوح أن أبا بكر عندما قام وتكلم "أحسن" في كلامه، وكذلك عمر "أحسن" في كلامه (تفسير الطبري، 11/41 - 43).
وهذا يعني أن النبي ﷺ رضي عن كلامهما، لكنه كان ينتظر شيئًا آخر.
ثالثًا: لماذا استمر النبي ﷺ في طلب المشورة رغم كلامهما؟
السر هنا بسيط جدًّا؛ فالنبي ﷺ كان يريد سماع رأي "الأنصار" تحديدًا؛ لأن الأنصار عندما بايعوا النبي ﷺ أول مرة في مكة، تعهدوا بحمايته "داخل المدينة" فقط، ولم يكن في الاتفاق أن يخرجوا للقتال بعيدًا عنها؛ فكان النبي ﷺ يريد أن يتأكد أنهم موافقون على القتال في بدر وهم خارج ديارهم.
وهذا ما وضحه ابن هشام بقوله: "إن النبي ﷺ كان يخشى ألا يرى الأنصار ضرورة لنصرته إلا إذا هوجم في المدينة نفسها". (السيرة النبوية، ابن هشام، 2/188).
كما شرح الإمام النووي أن إعراض النبي ﷺ لم يكن إهانة لأحد، بل كان اختبارًا للأنصار ليعرف موقفهم الصريح؛ لأن ولاء المهاجرين (مثل أبي بكر وعمر) كان مضمونًا ومنتهيًا (شرح صحيح مسلم، النووي، 12/124).
رابعًا: هل (الإعراض) يعني دائمًا سقوط المكانة؟
إذا استخدمنا منطق الشيعة بأن إعراض النبي ﷺ عن شخص يعني أنه لا يحبه أو يسقط قيمته، فسوف يقعون في ورطة كبيرة؛ لأن كتبهم تذكر أن النبي ﷺ أعرض عن السيدة فاطمة رضي الله عنها!
فقد جاء في كتبهم أن النبي ﷺ دخل على ابنته فاطمة ورأى في عنقها قلادة "عقدًا"، فأعرض عنها، فقامت بقطعها وتصدقت بها، فقال لها النبي ﷺ: "أنتِ مني". (المناقب، ابن شهر آشوب، 3/343).
وكذلك ورد أن النبي ﷺ أعرض عن سلمان الفارسي عندما سأله سؤالًا (إحقاق الحق وإزهاق الباطل، التستري، 31/319).
فهل يجرؤ أحد أن يقول إن السيدة فاطمة أو سلمان الفارسي سقطت مكانتهما؟ بالطبع لا؛ فكذلك الأمر مع أبي بكر وعمر.
خامسًا: شهادة علي رضي الله عنه بمكانة الصديق والفاروق من مشورة النبي ﷺ
لم يترك سيدنا علي رضي الله عنه مجالًا للمشككين؛ إذ أثبت بنفسه في الروايات التي ينقلها الشيعة أن أبا بكر وعمر كانا في أعلى منازل القرب من رسول الله ﷺ، وأنهما كانا الأنصح له في مشورتهما.
فقد جاء في كتاب (وقعة صفين) لنصر بن مزاحم المنقري (وهو من أقدم كتب الشيعة)، أن عليًا رضي الله عنه أرسل رسالة إلى معاوية بن أبي سفيان، ذكر فيها نصًا:
«وَذَكَرْتَ أَنَّ اللَّهَ اجْتَبَى لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْوَانًا أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَكَانُوا فِي مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ عَلَى قَدْرِ فَضَائِلِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ أَفْضَلَهُمْ زَعَمْتَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْصَحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْخَلِيفَةُ وَخَلِيفَةُ الْخَلِيفَةِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ مَكَانَهُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِهِمَا لَجَرِحٌ فِي الْإِسْلَامِ شَدِيدٌ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَزَاهُمَا بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ». (وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري، 1/89).
فيوضح سيدنا علي في هذا النص الصريح أن أبا بكر وعمر (الخليفة وخليفة الخليفة) كانا في أعلى المنازل عند رسول الله ﷺ؛ وذلك لقدر فضلهما ونصحهما الصادق لله ولرسوله. فكيف يقال بعد ذلك إن النبي ﷺ كان "يُعرض" عنهما لسقوط منزلتهما، بينما علي رضي الله عنه يراهما "أنصح المسلمين" لرسول الله؟ إن "النصح" هو جوهر المشورة، وشهادة علي لهما بالنصح تدل على أن رأيهما كان دائمًا محل تقدير وقبول.
الخلاصة:
النبي ﷺ لم يتجاهل أبا بكر وعمر تقليلًا منهما، بل لأنه كان يحتاج لسماع رأي "الأنصار" تحديدًا لأسباب تتعلق بشروط بيعتهم.
البدء باستشارة الصديق والفاروق دليل على عظم مكانتهما وأهمية رأيهما كوزراء للرسول ﷺ.
فكرة أن الإعراض يساوي سقوط المنزلة هي فكرة خاطئة، بدليل وقوعها مع أحب الناس للنبي ﷺ كابنته فاطمة وسلمان الفارسي.
اقرأ أيضا| زعمهم عدم حضور الصديق دفن النبي ﷺ والصلاة عليه
إشادة علي رضي الله عنه بنصحهما لله ورسوله تكذب أي ادعاء بأن النبي ﷺ كان يرى رأيهما بلا قيمة.
لتحميل الملف pdf