أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم انهزام الصديق رضي الله عنه يوم خيبر

يدعي جعفر مرتضى العاملي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يقاتلا في خيبر قتالًا حقيقيًا، بل يزعم أنهما هُزما قبل أن يبدأ القتال أصلًا بسبب الخوف؛ حيث قال: «نرجِّح أنهما قد هُزِمَا قبل مباشرةِ القتال، أو أنهما باشراه مع ظهور الخوف والجبن، فانهزما بسرعة قبل إنجاز أي شيء مؤثر..».

 واستدل بروايات تقول إن أبا بكر وعمر رجعا ولم يُفتح لهما، وروايات أخرى في كتب التاريخ تقول "فانهزم بالناس حتى انتهى إليه". (الصحيح من سيرة النبي الأعظم، العاملي، 17/251).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ضعف الروايات التي تتحدث عن الهزيمة وسقوطها علميًا كل الروايات التي ذكرت كلمة "هزيمة" في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما هي روايات ضعيفة جدًا ولا يصح الاعتماد عليها؛ وقد جمع الباحث نبيل البصارة الكويتي كل هذه الطرق وأثبت بطلانها، وإليك تفصيل حال الرواة الذين نقلوا هذه القصص من كتب الجرح والتعديل:

محمد بن أبي ليلى: وهو راوٍ سيئ الحفظ جدًا ومضطرب، وقد تركه كبار علماء الحديث مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 3/76).

عباد بن يعقوب: وهو رجل معروف بتعصبه الشديد ضد الصحابة، وكان يروي أحاديث منكرة لا يقبلها العقل (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 2/77).

ضرار بن صرد: وهذا الراوي كان متهمًا بالكذب ومتروك الحديث عند العلماء (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 2/60).

الخليل بن مرة: وصفه الإمام البخاري بأنه "منكر الحديث"، أي أن أحاديثه لا تُقبل (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 1/257). وعليه؛ فكل قصة تتكلم عن "جبن" أو "هزيمة" هي من اختراع هؤلاء الضعفاء والمتروكين.

ثانيًا: الحقيقة التاريخية في القتال الشديد للصديق الحقيقة التي تخفيها هذه الشبهة هي أن أبا بكر رضي الله عنه قاتل قتالًا عظيمًا بشهادة الروايات الصحيحة؛ فقد روى الإمام الطبري بإسناد صحيح أن أبا بكر أخذ الراية "فقاتل قتالًا شديدًا"، ثم أخذها عمر من بعده "فقاتل قتالًا شديدًا". (تاريخ الطبري، الطبري، 3/12). ومعنى "لم يفتح له" في الروايات الصحيحة هو أن الله قدّر ألا تسقط الحصون في ذلك اليوم ليكون الشرف لعلي رضي الله عنه في اليوم التالي؛ وهذا لا يعني أبدًا الهزيمة أو الجبن، فعدم الفتح قد يحدث لأعظم القادة، كما حدث للنبي ﷺ نفسه في حصار بعض القلاع التي لم تُفتح من أول يوم.

ثالثًا: شجاعة الصديق الثابتة في كل المشاهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان من أشجع الصحابة قلبًا؛ فقد كان يرافق النبي ﷺ في أخطر المواقف دون خوف. يقول الإمام ابن حزم: إن أبا بكر كان مع النبي ﷺ دائمًا في الحرب يسانده برأيه وثباته، وهذا النوع من الجهاد (ثبات القلب والرأي) هو أعلى أنواع الشجاعة (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، 4/107).

ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا بكر كان أشجع من عمر وعلي؛ لأنه باشر الأهوال منذ أول يوم في الإسلام ولم يضعف أو يهرب أبدًا (منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 8/78).

رابعًا: التناقض بين دعوى الجبن وواقع الفتوحات في عهد الصديق

عند مراجعة التاريخ العسكري والسياسي لدولة الإسلام الأولى، نجد تعارضًا منطقيًا كبيرًا بين ما يرويه المتأخرون عن "ضعف" الصديق في خيبر، وبين ما تقرره أمهات كتب الشيعة عن الانتصارات المدوية التي تحققت في عهده ضد أقوى إمبراطوريات الأرض.

فقد أورد الكليني في كتابه (الكافي) روايةً صححها المجلسي، تنص على أن بشارة القرآن بانتصار المسلمين على الفرس بدأت تتحقق فعليًا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حيث جاء في النص: "... يَعْنِي: يَغْلِبُهُمُ الْمُسْلِمُونَ... وَقَدْ مَضى لِلْمُؤْمِنِينَ سِنُونَ كَثِيرَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى‌ الله‌ عليه وآله، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ مَّا غَلَبَ الْمُؤْمِنُونَ فَارِسَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ". (الكافي، الكليني، 15/610؛ ومرآة العقول، المجلسي، 26/266).

فهذا الاعتراف الصريح من أئمة آل البيت -حسب الرواية- بأن نصر الله والفتوحات الكبرى بدأت في إمارة أبي بكر، يضعنا أمام تساؤل موضوعي؛ كيف يمكن لشخص يُوصف بالجبن أو الهروب من حصن صغير في خيبر، أن يقود أمةً بأكملها ويدير جيوشًا تفتح بلاد فارس والشام؟ إن العقل لا يجمع بين صفة "الجبن والفرار" وبين القدرة على تحقيق "نصر الله" الذي فرح به المؤمنون، مما يشير بوضوح إلى أن روايات الهزيمة في خيبر لا تتسق مع الواقع التاريخي الذي أثبته أئمة آل البيت أنفسهم.

خامسًا: الموقف الرسمي لعلي بن أبي طالب تجاه الشيخين

بدلًا من الاعتماد على روايات الآحاد الضعيفة، يمكننا النظر في "الوثائق السياسية" التي نُسبت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في كتب التاريخ الشيعي، والتي تعكس رؤيته الحقيقية لشجاعة ونصح الصديق والفاروق.

ففي الرسالة التي وجهها إلى معاوية بن أبي سفيان، نجد وصفًا دقيقًا لمكانتهما؛ حيث قال: «فَكَانَ أَفْضَلَهُمْ زَعَمْتَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْصَحَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْخَلِيفَةُ وَخَلِيفَةُ الْخَلِيفَةِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ مَكَانَهُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ لَعَظِيمٌ، وَإِنَّ الْمُصَابَ بِهِمَا لَجَرِحٌ فِي الْإِسْلَامِ شَدِيدٌ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَزَاهُمَا بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ". (وقعة صفين، نصر بن مزاحم المنقري، 1/89).

إن استخدام علي رضي الله عنه لوصف "الناصح لله ولرسوله" يحمل دلالات عميقة؛ فالنصح في لغة العرب وفي سياق الجهاد يقتضي بالضرورة الشجاعة والثبات والصدق في المواجهة.

ولو كان علي يرى فيهما جبنًا أو خذلانًا في خيبر أو غيرها، لما جاز له وصفهما بالنصح التام، ولا اعتبر موتهما "جرحًا شديدًا في الإسلام".

هذا التوافق بين ثناء علي رضي الله عنه وبين سجل الفتوحات العظيم، يؤكد أن صورة "القائد المنهزم" التي يحاول البعض رسمها للصديق في خيبر هي صورة دخيلة، تصطدم مع شهادات المقربين منه ومع الحقائق التي سطرها التاريخ؛ إذ لا يجتمع وصف "عظمة المكانة في الإسلام" مع صفة "الجبن والفرار" في شخص واحد أبدًا.

قد يتوهم البعض أن كلمة «زَعَمْتَ» في رسالة سيدنا علي لسيدنا معاوية رضي الله عنهما تعني أنه يكذبه، لكن الحقيقة هي العكس تمامًا، فقد استخدم أسلوبًا ذكيًّا في الحوار؛ إذ بدلًا من أن يرفض كلام معاوية عن فضلهما، قام بتأكيده والبناء عليه بأقوى العبارات.

فإذا قال لك أحدهم إن كلمة "زعمت" تدل على الشك، فإننا نقول له:

بعد كلمة "زعمت" مباشرة، قال: «وَلَعَمْرِي» (وهذا قسم غليظ)، والقسم لا يكون إلا على أمر يراه حقاً ويقيناً، لا شكاً وكذباً.

وصف أمير المؤمنين علي رحيل الصديق والفاروق بأنه «جُرْحٌ فِي الْإِسْلَامِ شَدِيدٌ» فهل يُعقل أن يحزن هذا الحزن على "غاصب" أو "جبان"؟

ختم سيدنا علي كلامه بقوله: «رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَجَزَاهُمَا بِأَحْسَنِ الْجَزَاءِ»، وهذا دعاء صريح بالرحمة والقبول، واعتراف نهائي بفضلهما ومكانتهما.

إنه هنا لم ينكر فضلهما، بل ثبّته بقسَمه، وحَزِن عليهما بقلبه، ودعا لهما بلسانه، وهذا ينسف كل دعاوى الطعن فيهما من أساسها.

الخلاصة:

الروايات التي تذكر هزيمة الصديق في خيبر هي روايات باطلة رواها كذابون وضعفاء (مثل ابن أبي ليلى وضرار بن صرد).

الروايات الصحيحة في (تاريخ الطبري) تؤكد أن أبا بكر وعمر قاتلا قتالًا شديدًا، لكن الله لم يكتب الفتح في ذلك اليوم لحكمة يعلمها.

شجاعة الصديق ثابتة بملازمته للنبي ﷺ في كل المواقف الصعبة، وبدء الفتوحات العظمى في عهده.

اقرأ أيضا| زعمهم عدم حضور الصديق دفن النبي ﷺ والصلاة عليه

شهادة الإمام علي وأئمة آل البيت بفضل الصديق وشجاعته في كتب الشيعة نفسها تهدم هذه الشبهة من أساسها.


لتحميل الملف pdf

تعليقات