أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم بطلان حديث سد الأبواب إلا باب أبي بكر

 قالت الشيعة: أورد أهلُ السنة روايةً في فضل أبي بكر تذكر أن النبي ﷺ استثنى باب بيته الذي يفتح على مسجد النبي ﷺ مباشرةً، لكن هذا الحديث يبطله أنه لم يثبت أن أبا بكر كان له بيت بجوار المسجد النبوي الشريف، وهذا باعتراف عالِمَين من علماء أهل السنة. قال الموسوي: «وبعبارة أوضح: جعلوا سدَّ الأبواب كناية عن سدّ أفواه الأمة ومطامعها عن معارضته في أمر الخلافة، أو سدّ طرق الوصول إليها على غيره، ونقل القسطلاني عن التُّورِبِشْتِي والطِّيبي القول بأن المجاز أقوى، معللين ذلك بقولهما: إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وأن منزله إنما كان بالسُّنْح من عوالي المدينة‏». (إلى المجمع العلمي العربي بدمشق، شرف الدين، ص100).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ثبوت الحديث في أصح كتب المسلمين

الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما بأعلى درجات الصحة، ففي صحيح البخاري: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ العَبْدُ مَا عِنْدَ اللهِ»، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ المُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بكر أَعْلَمَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ». (صحيح البخاري، 4/5).

وفي رواية مسلم قال: «لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ‏» (صحيح مسلم، 4/1854).

والخوخة هي طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء، ويمكن الاستطراق منها لاستقراب الوصول إلى مكان مطلوب.

قال العيني: «أمره بسد الْأَبْوَاب غير الْبَاب الشَّارِع إِلَى الْمَسْجِد إِلَّا بَاب أبي بكر، يدل على اخْتِصَاص شَدِيد لأبي بكر، وإكرام لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا لَا يفترقان.. فَلَمَّا غلق الْأَبْوَاب إلَّا بَاب أبي بكر دلَّ على أَنه يخرج مِنْهُ للصَّلَاة، فَكَأَنَّهُ أَمر بذلك على أَن من بعده يفعل ذَلِك هَكَذَا» (عمدة القاري، 4/245).

ثانيًا: التحقيق التاريخي بوجود بيت للصديق بجوار المسجد

أثبت كبار المؤرخين وجود بيت للصديق في الجهة الغربية للمسجد، وهو ما نقله السمهودي في (وفاء الوفا): «وقال ابن شبة في ذكر دور بني تيم: اتخذ أبو بكر رضي الله عنه دارًا في زقاق البقيع قبالة دار عثمان الصغرى، واتخذ منزلًا آخر أيضًا عند المسجد، وهو المنزل الذي قال فيه رسول الله ﷺ: سدوا عني هذه الأبواب إلا ما كان من باب أبي بكر" (وفاء الوفاء، 2/62).

ونقل السمهودي إجماع المؤرخين فقال: «كان باب خوختها كان غربي المسجد.. وهذا لا خلاف فيه عند المؤرخين؛ ولهذا قال ابن النجار نقلًا عن أهل السير: كانت خوخة أبي بكر في غربي المسجد، فعلمنا بذلك أن دار أبي بكر كانت في غربي المسجد، وأن عمر رضي الله عنه أدخلها» (وفاء الوفاء، 2/76).

بل ذَكَر مآل هذه الدار وأن أم المؤمنين حفصة اشترتها: «إن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد اشترتها حفصة أم المؤمنين.. فطلبوها منها ليوسع بها في المسجد، فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها ونجعل لك طريقًا مثلها، فسلمت ورضيت" (وفاء الوفاء، 2/76-87).

ثالثًا: تفكيك التعارض المزعوم مع "سد الأبواب إلا باب علي"

يزعم الشيعة وجود تعارض مع حديث سد الأبواب إلا باب علي، والرد من وجوه:

الطعن في صحة حديث علي: قال ابن الجوزي بعد ساق روايات سد الأبواب لعلي: «فَهَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا مِنْ وضع الرافضة، قابلوا بِهَا الْحَدِيث الْمُتَّفَق عَلَى صِحَّتِهِ فِي سُدُّوا الأَبْوَابَ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» (الموضوعات، 1/366).

نكارة المتن: جاء في رواية علي في المسند أن النبي ﷺ قال حين اعترض الناس: «وَإِنِّي وَاللهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ، وَلَكِنِّي أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ» (مسند أحمد، 32/41). وهذا منكر؛ لأن النبي ﷺ لا يعتذر لأصحابه بما يوهم معارضة كتاب الله الذي جعل طاعة النبي من طاعة الله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) {النساء:80}.

الجمع بين الحديثين: لو فرضنا الصحة، فقد جمع العلماء بينهما؛ قال ابن حجر: «وَمُحَصَّلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْأَمْرَ بِسَدِّ الْأَبْوَابِ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ فَفِي الْأُولَى اسْتُثْنِيَ عَلِيٌّ.. وَفِي الْأُخْرَى اسْتُثْنِيَ أَبُو بَكْرٍ.. وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لَهُ بَابٌ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَخَوْخَةٌ إِلَى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَبَيْتُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَابٌ إِلَّا مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ» (فتح الباري، 7/15).

فبقاء باب علي كان لعدم وجود طريق آخر له، أما باب الصديق فكان محض كرامة وتكريم.

رابعًا: رد وهم التوربشتي والطيبي

كلام التوربشتي والطيبي مردود؛ لكونهما اعتمدا على "عدم العلم" بالبيت، وهو نفي لا يقاوم الإثبات: قال القسطلاني متعقبًا لهما: «وتعقبه في الفتح بأنه استدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح ألا يكون له دار مجاورة للمسجد.. وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد» (إرشاد الساري، 6/84).

والقاعدة الأصولية عند السنة والشيعة هي أن (المثبت مقدم على النافي)؛ كما يقول الميلاني الشيعي: «المثبت مقدم على النافي» (الإمامة في أهم الكتب الكلامية، ص171)، فإثبات المؤرخين لبيت الصديق مقدم على شك من لم يطلع عليه.

الخلاصة:

ثبوت النص: حديث "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر" في أعلى درجات الصحة (البخاري ومسلم)، والتشكيك فيه تشكيك في أركان السنة.

الواقع التاريخي: تظافرت كلمات المؤرخين (ابن شبة، السمهودي، المطري) على تحديد موقع بيت الصديق غربي المسجد، مما يبطل دعوى "المجاز".

أولوية الصديق: استثناء باب الصديق وقع في مرض وفاته ﷺ، فهو آكد المراسيم النبوية في بيان فضله واستخلافه الضمني.

الجمع العلمي: استثناء باب علي (إن صح) كان لضرورة المسكن، بينما استثناء باب الصديق كان لتشريفه وإظهار اختصاصه بالصحبة.

اقرأ أيضا| زعمهم أن أبا حنيفة ساوى بين إيمان الصديق وإبليس

سقوط شبهة النفي: قول التوربشتي والطيبي مبني على عدم الوجدان، وقد وجده غيرهما من المحققين والمؤرخين، والمثبت أعلم من النافي.


لتحميل الملف pdf

تعليقات