أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم مغالاة أهل السنة في الصديق رضي الله عنه

ذكر الشيعةُ في كتبهم روايةً موجودةً في كتب أهل السنة على أنها من الكذب، فذكروها تشنيعًا، وهم يعلمون أننا لا نُقِرُّها، فقالوا: «هناك حديثٌ ينسبونه إلى رسول الله ﷺ أنَّه قال: «ما صب الله في صدري شيئًا إلَّا وصببته في صدر أبي بكر».

قال الشيعي: «والجواب: أنَّ آثار الاختلاق على هذا الحديث ظاهرة؛ لأنَّ مفادَه المساواة بين رسول الله ﷺ وأبي بكر في جميع العلوم، وهذا مما يقطع ببطلانه كلُّ مسلم".

انظر: ولاية أهل البيت في القرآن والسنَّة، حسينة حسن الدريب (1/314)، الدليل العقلي على إمامة علِي عليه السلام، علي الميلاني (1/40).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: نصَّ أهل العلم على بطلان هذا الحديث

إن من أعظم الأدلة على إنصاف أهل السنة وحمايتهم لجناب النبوة، أنهم كانوا أول من كشف زيف الروايات التي غلت في الصديق، فلم يقبلوا الكذب ولو كان في مدح أحب الناس إليهم، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

1. حكم نقاد الحديث على الرواية:

لقد تضافرت أقوال النقاد على إبطال هذا الأثر؛ فقد ذكره الشوكاني في «الفوائد المجموعة»، وقال: «ذكره صاحب الخلاصة وقال: موضوع" (الفوائد المجموعة، 1/335)، ونص ابن الجوزي في «الموضوعات" على أنه «لا أصل له، لا في الصحيح ولا في الموضوع» (الموضوعات، 1/319).

بل وجاء في «كشف الخفا»: «ما صب الله في صدري شيئًا؛ إلا وصببته في صدر أبي بكر.. وحديث: كان ﷺ إذا اشتاق إلى الجنة؛ قبل شيبة أبي بكر..، وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان..، وحديث: إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر..، وأمثال هذا من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل» (كشف الخفاء، 2/516).

2. تقرير ابن القيم في كشف المفتريات: أكد ابن القيم أن هذه المرويات هي من وضع الجهلة الذين لا يعرفون قدر السنة، فقال: «وَمِمَّا وَضَعَهُ جَهَلَةُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ فِي فَضَائِلَ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: حَدِيثُ: إِنَّ اللهَ يَتَجَلَّى لِلنَّاسِ عَامَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلأَبِي بَكْرٍ خَاصَّةً.

وَحَدِيثُ: مَا صَبَّ اللهُ فِي صَدْرِي شَيْئًا إِلا صَبَبْتُهُ فِي صدر أبي بكر. وَحَدِيثُ: كَانَ إِذَا اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ قَبَّلَ شَيْبَةَ أَبِي بَكْرٍ. وَحَدِيثُ: أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ كَفَرَسَيْ رهان.

وَحَدِيثُ: إِنَّ اللهَ لَمَّا اخْتَارَ الأَرْوَاحَ اخْتَارَ رُوحَ أَبِي بَكْرٍ. وَحَدِيثُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثَانِ وَكُنْتُ كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَهُمَا.

 

وَحَدِيثُ: لَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِفَضَائِلِ عُمَرَ عُمْرَ نُوحٍ مَا فَنِيَتْ، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أبي بكر.
 

وَحَدِيثُ: مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلا صَلاةٍ، إِنَّمَا سَبَقَكُمْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ، وَهَذَا مِنْ كَلامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ» (المنار المنيف، ص 115).

ثانيًا: إلزام الخصوم بما في كتبهم

إذا كان الشيعة يشنعون برواية "صب العلم" التي أبطلها أهل السنة لأنها توهم المساواة، فماذا يقولون في مئات الروايات التي تضع الأئمة في رتبة فوق الأنبياء والملائكة؟

1. تفضيل الأئمة على الأنبياء في العلم: لقد عقد المجلسي في «البحار" بابًا خاصًا بعنوان: «باب أنهم أعلم من الأنبياء" (بحار الأنوار، 26/194)، وأورد تحته ثلاث عشرة رواية صريحة.

بل وبوَّب بابًا آخر بعنوان: «باب أن عندهم جميع علوم الملائكة والأنبياء، وأنهم أعطوا ما أعطاه الله الأنبياء، وأن كل إمام يعلم جميع علم الإمام الذي قبله..." (بحار الأنوار، 26/159).

2. الأنبياء يقتبسون من أنوار الأئمة: تجاوز الغلو حد المساواة إلى التبعية، حيث ذكر المجلسي عن أبي محمد العسكري قال: «فنحن السنام الأعظم، وفينا النبوة والولاية والكرم، ونحن منار الهدى والعروة الوثقى، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا، ويقتفون من آثارنا..." (بحار الأنوار، 26/264).

وقال هاشم البحراني: «الباب الخامس عندهم (ع) علم ما في السماء وما في الأرض، وعلم ما كان وعلم ما يكون، وما يحدث بالليل والنهار، وساعة وساعة، وعندهم علم النبيين (ع) وزيادة» (ينابيع المعاجز، ص 35).

3. مصادر علمهم والمساواة في الاسم الأعظم: يقول محمد السند: «واعلم أنَّه لا ينحصر الأمر لدى الأئمَّة بظاهر تنزيل الكتاب، وظاهر السنَّة اللفظيَّة، بل هناك مصادر جمَّة أخرى لعلومهم، مثل كتاب علِي، والجفر، والجامعة، ومصحفها، وروايات ازدياد العلم..." (مقامات فاطمة الزهراء، 1/336).

وبلغ الغلو مبلغه بقول رجب البرسي: «وإن الذي وصل إلى الأنبياء قطرة من بحرهم، ولمعة من نورهم.. لأن الذي كان عند الأنبياء من الاسم الأعظم حرفان لا غير.. وعند آل محمد سبعون حرفًا» (مشارق أنوار اليقين، 1/158).

4. غلو الأساطير (علي معلم جبريل والملائكة): روى نعمة الله الجزائري: «أن النبي ﷺ كان جالسًا وعنده جبريل فدخل علي فقام له جبريل، فقال النبي: أتقوم لهذا الفتى؟ فقال له: نعم، إن له عليَّ حقَّ التعليم.. لما خلقني الله تعالَى سألني من أنت؟ وما اسمك؟ فتحيرت في الجواب.. ثم حضَر هذا الشاب في عالم الأنوار وعلمني الجواب، فقال: قل: أنت ربي الجليل، واسمك الجليل، وأنا العبد الذليل، واسمي جبريل" (الأنوار النعمانية، 1/27).

ولم يكتفوا بتعليم جبريل بل علّم علي الملائكة كلهم، حيث روى الجزائري عن ابن عباس أن النبي قال لعلي: «مرحبًا بمن خلقه الله تعالى قبل أبيه آدم بأربعين ألف عام.. إن الله خلقني وخلق عليًّا قبل أن يخلق آدم بهذه المدة.. فسبَّحنا فسبَّحت الملائكة.. وكان ذلك من تعليمي وتعليم علي" (الأنوار النعمانية، 1/33).

فإذا كان القرآن يقول عن النبي ﷺ: (علمه شديد القوى) {النجم:5}، فالذي علَّمه هو جبريل عليه السلام، والذي علَّم جبريل هو علي عند الشيعة! فأي غلو أكبر من هذا؟

5. وراثة كتب الأنبياء وعلم الأولين والآخرين: يروي الصدوق أن الأئمة عندهم التوراة والإنجيل، وقال أبو عبد الله: «هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها» (التوحيد، ص 75).

وقال المجلسي أن أمير المؤمنين قال: «سلوني قبل أن تفقدوني.. فإن عندي علم الأولين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة، ثم أجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى ينادي كل كتاب بأن عليًّا حكم فيّ بحكم الله فيّ» (بحار الأنوار، 40/153).

الخلاصة:

نزاهة أهل السنة: إن رد علماء السنة لحديث "صب العلم" وتصنيفهم له ضمن "الموضوعات والمفتريات" أكبر دليل على أن مذهبنا لا يقوم على الغلو أو قبول الكذب، ولو كان في فضل أبي بكر.

تحريف الاستدلال: يشنع الشيعة برواية "موضوعة" لا يصححها سني، بينما هم يصححون ويستفيضون في روايات تجعل الأئمة معلمين للملائكة والأنبياء!

قلب الموازين: في مذهب الشيعة يكون علي رضي الله عنه معلمًا لجبريل، وجبريل معلمًا للنبي ﷺ، وهذا يلزم منه تقديم علي على مقام النبوة، وهو الغلو الذي يرفضه العقل والنص.

كمال الوحي: بينما يكتفي أهل السنة بالوحي المحمدي، يزعم الشيعة للأئمة مصادر تشريعية مستقلة (كالجفر والجامعة ومصحف فاطمة)، مما يفتح باب الغلو بلا ضابط.

الفرق بين المذهبين: أهل السنة يردون المكذوب ولو كان مدحًا لمحبوبهم، والشيعة يقبلون الأساطير ويرونها "استفاضة في الفضائل"، والمنصف يحكم لأي الفريقين يكون الحق.

تنبيه: الروايات الصحيحة في علم أبي بكر رضي الله عنه وتفوقه في فهم مراد النبي ﷺ ثابتة ومستفيضة، وقد تم تفصيلها في الرد على شبهة (مدينة العلم).

اقرأ أيضا| 

الاستدلال بحديث (مدينة العلم) على أفضلية علي بن أبي طالب في العلم


لتحميل الملف pdf

تعليقات