أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم اعتقاد أهل السنة في عصمة الصديق رضي الله عنه

يدعي الخصوم أن أهل السنة يرفعون أبا بكر الصديق رضي الله عنه إلى مقام العصمة؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"، وزعموا أن إثبات "سنة" للخلفاء يقتضي بالضرورة جعلهم مشرعين معصومين كالأنبياء.

يقول مروان خليفات في كتابه "وركبت السفينة" (1/318): «اتهم الشيعة أهل السنة بأنهم يعتقدون العصمة في أبي بكر؛ كونه له سنة كالنبي صلى الله عليه وآله كما ورد في حديث: (عَلَيْكُمْ بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ..) وغيره مما استدلوا به، قالوا: فهذا دليل على أن للخلفاء عندكم سنة تشريعية متبعة، وهذا يلزم منه العصمة».

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: حقيقة الأمر المتبع في حديث "سنة الخلفاء"

إن الحديث المستدل به هو حديث صحيح ثابت، ولكن الاستدلال به على "العصمة" هو قراءة مغلوطة لا يسندها اللفظ ولا اللغة.

1. ثبوت الحديث: عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها.. فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" (مسند أحمد، 28/367؛ وصححه الأرنؤوط)، وفي رواية ابن ماجه: «عضوا عليها بالنواجذ» (سنن ابن ماجه، 1/114).

2. الدلالة اللغوية والشرعية: ليس في الحديث إثبات "سنة تشريعية" مستقلة للخلفاء، بل هو أمر باتباع طريقتهم في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما.

وحدة الضمير: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عضوا عليها» ولم يقل (عليهما)؛ مما يدل على أن السنة واحدة، وسنة الخلفاء ليست إلا تبعًا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ونشرًا لها.

عطف البيان: عطفُ "سنة الخلفاء" على "سنتي" في لغة العرب كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (البقرة: 238)؛ فالصلاة الوسطى من جنس الصلوات وليست صلاة خارجة عنها، وكذلك سنة الخلفاء هي من جنس سنة النبي صلى الله عليه وسلم (الإتقان للسيوطي، 2/351).

فاتباع الخلفاء الراشدين واجب لكونهم أعلم الناس بمراد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فسنتهم إما نقل عنه، أو استنباط صحيح من نصوصه لا يخرج عنها، كما قرره الشاطبي في "الاعتصام" (1/118)، ولو كان مجرد الأمر بالاتباع يقتضي العصمة، للزم أن يكون كل المهاجرين والأنصار معصومين لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ المهاجِرِينَ والأَنْصَار والَّذِينَ اتبعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} (التوبة: 100).

ثانيًا: التناقض في الموقف من "السنة المتبعة" (إلزام من مصادر القوم)

من العجيب أن ينكر القوم وجود "سنة" متبعة للخلفاء وهم يثبتون في كتبهم أن لعلي رضي الله عنه سنة مستقلة يُقتدى بها حتى لو خالفت ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

النقل من مصادرهم: روى الكليني في "الكافي" عن علي بن الحسين عليهما السلام في قصة الخضاب بالحمام، حيث قال لرجل ترك الخضاب اقتداءً بعلي بن أبي طالب: «إن تخضب فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خضب، وهو خير من علي، وإن تترك فلك بعلي سنة" (الكافي، 6/497؛ وقال المجلسي في مرآة العقول "22/398": موثق).

الحقيقة العلمية والإلزام: إذا كان الإمام السجاد يثبت لعلي رضي الله عنه "سنة" يمكن اتباعها بجانب سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلماذا يُشنع الكوراني وخليفات على أهل السنة استدلالهم بحديث يثبت للسلف الصالح "سنة" متبعة؟ وهل يقول القوم هنا إن سنة علي رضي الله عنه مغايرة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟

ثالثًا: حقيقة العصمة والتشريع عند القوم (بمنطق رمتني بدائها وانسلت)

بينما يتهمون أهل السنة بادعاء العصمة للخلفاء، نجد أن كتبهم تقرر صراحة أن الأئمة هم "مصدر للتشريع" ولهم حق التحليل والتحريم ابتداءً.

1. الإمام مصدر للتشريع لا راوٍ: يقول عالمهم محمد رضا المظفر: «إنَّ الأئمة من أهل البيت ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية، بل هم منصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا ينطقون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي.. فقولهم سنة، لا حكاية للسنة» (أصول الفقه للمظفر، 3/64).

2. تفويض التحليل والتحريم: روى الكليني عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قوله: « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوَّضَ إِلَى نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) أَمْرَ خَلْقِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ" (الكافي، 1/648).

3. صلاحية نسخ القرآن: يقول السيستاني في "الرافد في علم الأصول": «النسخ: وتحدثنا فيه عن إمكان صدور النسخ من قبل أهل البيت (عليهم السلام) للآية القرآنية والحديث النبوي والحديث المعصومي السابق، وأقسام النسخ من النسخ التبليغي الذي يعني كون الناسخ مودعًا عندهم من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنهم يقومون بتبليغه في وقته. والنسخ التشريعي، وهو عبارة عن صدور النسخ منهم ابتداءً، وهذا يبتني على ثبوت حق التشريع لهم كما كان ثابتًا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)" (الرافد في علم الأصول، ص 26).

وهذا هو عين القول بالنبوات بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبينما يتبع أهل السنة الخلفاء لأنهم "نقلة ومستنبطون" من الوحي، يجعل القوم أئمتهم "منشئين" للأحكام وناسخين للقرآن.

فمن الذي يدعي العصمة والتشريع لغير الأنبياء حقيقة؟

رابعًا: شمولية "الولاية التشريعية" حتى للنساء عندهم

لم يقف ادعاء العصمة والتشريع عند الأئمة الاثني عشر، بل تعداه ليشمل غيرهم في منظومتهم العقدية.

النقل من مصادرهم: يقول مرجعهم صادق الحسيني الشيرازي: « من لوازم مقام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مسألة الولاية التشريعية.. فإذا ما قالت شيئًا يصبح من الواجب على جميع الأنبياء والأولياء والملائكة وكافة الخلق الامتثال له؛ لأنه قول الله تعالى، وهذا مقام عظيم جدًّا» (نيل رضا المعصوم، ص 25).

الحقيقة العلمية والإلزام: إن هذا الغلو يثبت أن الخصوم هم من يعطون حق التشريع المطلق لغير الأنبياء، بل ويجعلون الأنبياء تبعًا لغيرهم؛ وهذا يهدم أصل ختم النبوة، ويجعل اتهامهم لأهل السنة بـ "عصمة الصديق" مجرد محاولة للتغطية على غلوهم الفاحش.

الخلاصة

أهل السنة لا يعتقدون بعصمة أبي بكر ولا غيره من الصحابة، واتباع "سنته" معناه اتباع فهمه وتطبيقه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

حديث "سنة الخلفاء" استخدم لفظ الإفراد (عضوا عليها)؛ ليؤكد أن المنهج واحد لا يتعدد، وسنة الخلفاء ليست تشريعًا جديدًا.

مصادر القوم تثبت صراحة أنهم هم من يعتقدون بـ "الولاية التشريعية" المطلقة لأئمتهم، وبقدرتهم على نسخ القرآن والتحليل والتحريم بعيدًا عن النص النبوي.
 

اقرأ أيضا|  الاستدلال بحديث (مدينة العلم) على أفضلية علي بن أبي طالب في العلم

اتهام أهل السنة بالعصمة هو من باب "الإسقاط النفسي"؛ فمن يملك حق النسخ والتشريع المطلق هو من يدعي العصمة، وليس من يلتزم بنقل وفهم السلف الصالح.


لتحميل الملف pdf

تعليقات