استعرض الدكتور رامي عيسى، الباحث في الشأن الشيعي، سيرة الإمام الحافظ أبو زكريا يحيى بن معين، إمام أهل الحديث في زمانه والمشار إليه من بين أقرانه، والذي وُلد سنة 158 هـ في خلافة أبي جعفر المنصور، ليكون منارةً علمية ورث أصحابها علماً غزيراً على نهج المصطفى الهادي محمد صلى الله عليه وسلم.
رحلة كفاح وإنفاق في طلب العلم
عُرف ابن معين بعلو همته؛ حيث رحل في طلب العلم إلى الحجاز، والشام، ومصر، واليمن.
ونقل علي بن المديني أن يحيى ورث عن والده "ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم"، أنفقها كاملة على الحديث حتى لم يبقَ له نعل يلبسها، محتسباً ذلك عند الله تعالى.
وفي مضمار الكتابة، أكد ابن المديني أنه لا يُعلم أحد من لدن آدم كتب من الحديث ما كتبه يحيى بن معين، إذ خط بيده أكثر من ستمائة ألف حديث (بالمكرر).
العقيدة والمنزلة العلمية
ثبت الإمام على عقيدة أهل السنة، مؤكداً مراراً أن "القرآن كلام الله وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص".
ورغم إجابته بلسانه في فتنة خلق القرآن تحت وطأة التعذيب الشديد، إلا أن قلبه ظل مطمئناً بالإيمان.
وقد تبوأ ابن معين مكانةً سامية بين العلماء؛ فكان الإمام أحمد بن حنبل يسأله ويستثبته في الأحاديث، ويقول: "السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور"، وأردف: "كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث".
ووصفه الخطيب البغدادي بأنه كان "إماماً ربانياً، عالماً، حافظاً، ثبتاً، متقناً".
هيبته ومنهجه في الجرح والتعديل
امتلك ابن معين هيبةً عظيمة هزت أركان المحدثين؛ ففي واقعة شهيرة، ارتعدت يد أحد الشيوخ وسقط منه الكتاب لمجرد طرق يحيى للباب، بينما لم يتحرك لدخول كبار الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي خيثمة.
وتعود هذه الهيبة لعلمه الدقيق؛ فإذا وثّق شخصاً فهو الثقة، وإذا قدح في شيخٍ سقطت أحاديثه.
وفاةٌ مهيبة ورؤيا صالحة
توفي الإمام يحيى بن معين في ذي القعدة سنة 233 هـ عن عمر ناهز 75 سنة، ودفن ببقيع الغرقد.
وفي مشهد مهيب، حُمل على السرير الذي حُمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ونودي بين يديه: "هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". وقد رآه حبيش بن مبشر في المنام بعد موته، فسأله عما فعل الله به، فقال: "أعطاني، وحباني، وزوجني ثلاثمائة حوراء".
لتحميل الملف pdf