قال الدكتور رامي عيسى، الباحث في الشأن الشيعي، إن أبا عبد الله عكرمة، مولى عبد الله بن عباس الهاشمي، كان بربريًا من أهل المغرب، وهو من كبار التابعين، موضحًا أنه كان عبدًا لحُصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حينما جاء واليًا على البصرة لعلي بن أبي طالب.
وأشار إلى أن عكرمة رحل في طلب العلم إلى مكة والمدينة والبصرة واليمن والشام ومصر وبلاد المغرب العربي وخراسان، مبينًا مكانته العلمية، حيث قال عكرمة: "طلبت العلم أربعين سنة، وكنتُ أفتي بالباب وابن عباس رضي الله عنهما في الدار"، مؤكدًا أن العلم يرفع من منزلة أهله.
ونقل أن عمرو بن مسلم قال: "قدم عكرمة على طاووس فحمله على نجيب (أي حمله على بعير) ثمنه 60 دينارًا"، وقال: "ألا نشتري علم هذا العالم بـ 60 دينارًا؟"، كما ذكر محمد بن راشد أن ابن عباس مات وعكرمة عبد، فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي بن عبد الله بن عباس بـ 4000 دينار (أي بحوالي 17 كيلو جرامًا من الذهب الخالص عيار 24)، فلما بلغ ذلك عكرمة أتى عليًا فقال: "بعتني بـ 4000 دينار؟"، قال: نعم، فقال: "أما إنه ما خيرٌ لك؛ بعتَ علم أبيك بـ 4000 دينار"، فذهب علي إلى خالد فاستقاله، فأقاله فأعتقه.
وأوضح رعاية ابن عباس له، حيث قال عكرمة: "كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل (القيد) يعلمني القرآن ويعلمني السنة"، وقال: "قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لي: انطلق فأفتِ الناس، فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عني ثلثي مؤونة الناس"، مشيرًا إلى أنه كان يفتي بأمر من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وأضاف، في بيان عِظم قدرة الله تبارك وتعالى، ما رواه إبراهيم بن الحكم بن أبان، قال: كنت جالسًا مع عكرمة عند منزل ابن داود، وكان نازلًا معه نحو الساحل، فذكروا الذين يغرقون في البحر، فقال عكرمة: "الحمد لله، إن الذين يغرقون في البحر تتقصم لحومهم الحيتان، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، تلوح فتقلبها الأمواج حتى تلقيها إلى البر، فتمكث العظام حينًا حتى تصير حائلًا نخرة، فتمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير فتبعَر، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون منزلًا فيأخذون ذلك البعر فيوقدون به نارًا، ثم تخمد تلك النار، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة قال الله عز وجل: {فإذا هم قيام ينظرون}، فيخرج أولئك وأهل القبور سواء"، مؤكدًا أن الله سبحانه قادر على جمع هذا الرماد الذي كان إنسانًا.
وفيما يتعلق بالدفاع عنه، أشار إلى أنه اتُّهم من بعض الجهلة بأن لديه فكر الخوارج، إلا أن العلماء أثنوا عليه، حيث قال البخاري: "ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة"، وقال يحيى بن معين: "عكرمة مولى ابن عباس ثقة"، وقال: "إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة فاتهمه على الإسلام"، كما قال أبو بكر المروزي: قلت لأحمد بن حنبل: يُحتج بحديث عكرمة؟ قال: "نعم، يُحتج به"، وقال أبو جعفر بن جرير الطبري: "ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله وكثرة الرواية للآثار، وأنه كان عالمًا بمولاه"، وقال أبو عمر بن عبد البر: "كان عكرمة من جلة العلماء، ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه".
اقرأ أيضا| هل يملك الأئمة نفعاً أو ضراً؟.. كواليس مناظرة رامي عيسى والعلاق حول الشفاعة وتدوين السنة (فيديو)
واختتم بالإشارة إلى أن عكرمة رحمه الله توفي سنة 105هـ في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمانين سنة، سائلاً الله أن يجزيه خيرًا عن الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.
لتحميل الملف pdf