يزعمُ شيوخُ الرافضةِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه كان يفتقرُ للشجاعةِ؛ محتجينَ بأنه لم يُنقل في كتبِ السيرِ قتلُهُ لأحدٍ من مشاهيرِ المشركينَ.
يقولُ جعفر مرتضى العاملي: «فأين كانت حماسة عمر في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضد المشركين؟! ولِمَ لَمْ يقتل أحدًا منهم، ولا حتى طيلة السنوات العشر، في عشرات الغزوات، والسرايا التي اشترك فيها؟!» [الصحيح من سيرة النبي الأعظم، (8/182)].
الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:
أولًا: اعترافُ كبارِ الرافضةِ بنصرتِهِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:
إنَّ شجاعةَ عمرَ رضي الله عنه حقيقةٌ ساطعةٌ أقرَّ بها الخصومُ في كتبهم المعتمدةِ؛ فقد اعترفوا أنه نصر النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنفسِهِ في المواطنِ الصعبةِ.
يروي كاتبُهم "لجنة الحديث بمعهد باقر العلوم" عن الحسين بن علي رضي الله عنه أنه قال: «اتقِ الله أبا عبد الرحمن، ولا تدعن نصرتي، واذكرني في صلاتك، فوالذي بعث جدي محمدًا (ص) بشيرًا ونذيرًا، لو أن أباك عمر بن الخطاب أدرك زماني لنصرني كنصرته جدي، وأقام من دوني قيامه بين يدي جدي يا بن عمر» [موسوعة كلمات الإمام الحسين، ص 374].
وهذه شهادةٌ من الحسينِ رضي الله عنه بأنَّ قيامَ عمرَ بنصرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان قيامًا مشهودًا؛ بل وتمنى نصرتَهُ في كربلاء.
كما اعترف عالمُهم محمد حسين فضل الله بأن عمرَ كان من القادةِ الذين يثبتون مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا اشتدَّ القتالُ [الإسلام ومنطق القوة، ص 176].
ثانيًا: حضورُهُ لجميعِ المشاهدِ والمغازي:
من المتفقِ عليه تاريخيًّا أنَّ الفاروقَ رضي الله عنه لم يتخلف عن غزوةٍ واحدةٍ خاضها النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ وهذا وحدهُ كافٍ لإثباتِ شجاعتِهِ.
يقول ابن سعد: «قالوا: شَهِدَ عمر بن الخطَّاب بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج في عدّة سرايا، وكان أمير بعضها» [الطبقات الكبرى، (3/206)].
ويؤكدُ ابن الجوزي ذلك بقوله: «ولما أسلم عمر عزَّ الإسلام، وهاجر جهرًا، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها» [صفة الصفوة، (1/104)].
فالإنسانُ الجبانُ -كما يزعمون- لا يرمي بنفسِهِ في أتونِ المعاركِ الكبرى كبدرٍ وأُحدٍ؛ حيثُ كانت الرؤوسُ تطيحُ والسيوفُ تشتعلُ.
ثالثًا: قتلهُ لعمالقةِ المشركينَ وثبوتُ ذلك تاريخيًّا:
إنَّ الزعمَ بأنه لم يقتل مشركًا هو كذبٌ مفضوحٌ؛ إذ ليس من شرطِ الشجاعةِ أن يذكرَ الرواةُ أسماءَ كلِّ من قتلهم الصحابيُّ، إلا إذا كان القتيلُ من كبارِ القادةِ.
ومع ذلك، فقد حفظ التاريخُ لعمرَ رضي الله عنه قتلهُ لخالِهِ "العاص بن هشام" في غزوةِ بدرٍ؛ إعلاءً لكلمةِ اللهِ وقطعًا لأواصرِ الشركِ.
يقول ابن هشام: «حدَّثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أنَّ عمر بن الخطَّاب قال لسعيد بن العاص: إني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة» [سيرة ابن هشام، (2/289)].
فإذا كان قد قتلَ خالَهُ -وهو من صناديدِ قريشٍ- في أولِ مواجهةٍ، فكيف يُقالُ إنه لم يقتل أحدًا؟!
رابعًا: مراتبُ الشجاعةِ وأقسامُ الجهادِ:
يظنُّ السطحيونَ أنَّ الشجاعةَ هي "المبارزةُ" فقط، بينما الشجاعةُ الحقيقيةُ هي شجاعةُ القلبِ والثباتُ عند اشتدادِ الكربِ؛ وهو ما تميزَ به عمرُ رضي الله عنه.
يقولُ ابنُ حزمٍ موضحًا مراتبَ الجهادِ: إن الجهادَ أقسامٌ؛ جهادٌ باللسانِ كالدعوةِ، وجهادٌ بالرأيِ والتدبيرِ، وجهادٌ باليدِ.
وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يشغلُ كبارَ الصحابةِ كأبي بكرٍ وعمرَ بالقسمينِ الأولينِ (الرأي والتدبير)؛ لمكانتهما وعقلِهما، ولم يبعثهما للمبارزةِ الفرديةِ إلا نادرًا؛ لأنَّ مصلحةَ الجيشِ في بقائِهما بجوارِهِ أهمُّ من قتلِ مشركٍ واحدٍ [الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/107)].
خامسًا: طعنُهم في عمرَ يلزمُ منه الطعنُ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم:
إذا كان معيارُ الشجاعةِ هو كثرةُ القتلى، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل بيدهِ إلا رجلًا واحدًا هو "أبيُّ بن خلف".
فهل يجرؤُ هؤلاءِ على وصفِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالجبنِ؟!
إنَّ والقائدَ يُحتاجُ منه ثباتُ القلبِ وإدارةُ المعركةِ؛ ولهذا كان الصحابةُ يحتمون بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم عند اشتدادِ البأسِ، وكان أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما أقربَ الناسِ منه في تلك المواقفِ [منهاج السنّة النبوية، (8/78)].
سادسًا: شهادةُ اليعقوبيِّ (إلزامٌ قاصمٌ):
يروي المؤرخُ الشيعيُّ اليعقوبيُّ حادثةً -رغم بطلانها عندنا إلا أنها تُلزمهم- تدلُّ على أن عمرَ كان يصرعُ الأبطالَ.
يقول اليعقوبي في تاريخه: «فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار، وخرج علي ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر فصرعه، وكسر سيفه» [تاريخ اليعقوبي، (2/126)].
فإذا كان عمرُ قد صرعَ عليًّا رضي الله عنه -في زعمِكم- وكسرَ سيفَهُ؛ فكيف تصفونَهُ بعد ذلك بالجبنِ؟!
سابعًا: فتوحاتُ الفاروقِ أعظمُ دليلٍ على شجاعتِهِ:
إنَّ إمبراطوريةَ فارسٍ والرومِ تهاوت تحتَ ضرباتِ جيوشِ عمرَ رضي الله عنه؛ وبإشرافِهِ المباشرِ وتدبيرِهِ.
وقد اعترفَ علماءُ الشيعةِ بأنَّ زمانَهُ كان زمانَ نصرةٍ، يقول نعمة الله الجزائري: «أكثر البلاد إنما فتحت في خلافة عمر» [الأنوار النعمانية، (1/103)].
بل يروي الكليني في حديثٍ وصفَهُ المجلسيُّ بالصحيحِ، أنَّ المسلمينَ لما افتتحوا فارسَ فرحوا بنصرِ اللهِ الموعودِ في سورةِ الرومِ [الكافي، (15/610)].
فهل تُفتحُ الدنيا ويُذلُّ كسرى وقصرُهُ على يدِ رجلٍ جبانٍ؟! إنَّ هذا لا يقبلُهُ عقلٌ ولا منطقٌ.
الخلاصةُ:
1. شجاعةُ عمرَ رضي الله عنه ثابتةٌ باعترافِ أئمةِ وعُلماءِ الشيعةِ كالحسينِ بنِ عليٍّ وفضلِ الله.
2. حضورُهُ لجميعِ الغزواتِ وقتلهُ لعمالقةِ المشركينَ كخالِهِ العاص ينقضُ دعوى عدمِ قتلِهِ للمشركينَ.
3. الشجاعةُ المطلوبةُ من القادةِ هي شجاعةُ القلبِ والتدبيرِ، وهو ما كان يتفرغُ له عمرُ بجوارِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
اقرأ أيضا| زعمهم نهي الصديق رضي الله عنه عن متعة الحج مخالفة للسنة
4. الفتوحاتُ الإسلاميةُ العظمى في عهدِهِ هي البرهانُ العمليُّ الذي لا يمكنُ إنكارُهُ على قوتهِ وبأسِهِ.
لتحميل الملف pdf