من جُملةِ المطاعنِ التي يوجهُها الشيعةُ لأبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما، قولهم بأنَّ النبيَّ ﷺ رفضَ تزويجهما من ابنتِهِ فاطمةَ رضي الله عنها لما خطباها؛ زاعمينَ أنَّ سببَ الرفضِ هو عدمُ رضا النبيِّ ﷺ عن دينهما؛ مستندينَ في ذلكَ إلى الحديثِ المشهورِ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه".
ويستدلونَ على هذا الرفضِ بما رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحِهِ بسندِهِ عن ابن بريدة، عن أبيه قال: «خطب أبو بكرٍ وعمر فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّها صغيرةٌ، فخطبها عليٌ فزوّجها منه». [الصحيح من سيرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي، (5/319)].
الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:
أولًا: المسارعةُ إلى الفضائلِ والسبقِ إليها:
إنَّ هذا الحديثَ يثبتُ أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما كانا دائمًا أسبقَ الناسِ إلى الفضائلِ، وقد سبقا عليًّا رضي الله عنه في تلكَ الفضيلةِ، ولا شكَّ أنَّ المسارعةَ في مصاهرةِ النبيِّ ﷺ من أوسعِ أبوابِ الخيرِ للعبدِ كما هو معلومٌ؛ فحرصهما على نيلِ هذا الشرفِ برهانٌ على قوةِ إيمانهما ومحبتهما لرسولِ اللهِ ﷺ.
ثانيًا: تعليلُ الرفضِ بالصغرِ ينفي الطعنَ في الدّينِ:
إنَّ الحديثَ المذكورَ واضحٌ، ولا يحتاجُ إلى تأويلٍ أو اجتهادٍ لتفسيرِهِ وفهمِهِ؛ فالنبيُّ ﷺ يردُّ برفقٍ، مبررًا هذا الرفضَ بأنَّها "صغيرةٌ"، فذكرَ سببًا واحدًا لعدمِ الموافقةِ، وهذا السببُ يتعلقُ بفاطمةَ وعمرِها، ولم يذكرْ شيئًا يتعلقُ بأبي بكرٍ وعمرَ.
وليسَ في كلامِهِ ﷺ تكفيرٌ لهما، أو انتقاصٌ من إيمانهما، أو تعنيفٌ لهما؛ ومن ثَمَّ، فمن أوجدَ سببًا آخر (كالدينِ) فقد استدركَ على النبيِّ ﷺ واتهمَهُ بكتمانِ الحقِّ ومحاباةِ الرجالِ على حسابِ ابنتِهِ.
ثالثًا: الرفضُ ليس قدحًا (خطبةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمِّ هانئٍ نموذجًا):
لا يجبُ على كلِّ امرأةٍ، أو على وليِّها، قبولُ خطبةِ أيِّ امرئٍ مؤمنٍ لها؛ ولذلكَ فإنَّ النبيَّ ﷺ نفسَهُ لما أرادَ أن يخطبَ أمَّ هانئٍ تعللتْ بأولادِها.
روى الكلينيُّ في (الكافي) بسندِهِ، عن أبي بصيرٍ، عن أحدهما عليهما السلام قال: «خطب النَّبي صلى الله عليه وآله أمّ هانئٍ بنت أبي طالبٍ فقالت: يا رسول الله، إنّي مصابةٌ في حجري أيتامٌ، ولا يصلح لك إلَّا امرأةٌ فارغةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ركب الإبل مثل نساء قريشٍ أحناه على ولدٍ، ولا أرعى على زوجٍ في ذات يديه» [الكافي، (5/327)].
فها هي أمُّ هانئٍ، ترفضُ أن تتزوجَ النبيَّ ﷺ، فهل يقولُ عاقلٌ من الشيعةِ: إنها رفضتْهُ لعلةٍ في دينِهِ؟!
فكيفَ تجعلونَ رفضَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للشيخينِ طعنًا في دينهما؟!
رابعًا: شهادةُ عليٍّ لعمرَ بالصلاحِ عبرَ تزويجِهِ ابنتَهُ:
إنَّ تعليلَ الرفضِ بالصغرِ يعتبرُ شهادةً ضمنيةً بأنَّ الخاطبَ يتحلى بجميعِ الصفاتِ الحميدةِ وعلى رأسِها الدينُ.
والدليلُ من كتبِ القومِ: ما نقلهُ محسن الأمين في (أعيان الشيعة): « أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولدت قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، خطبها عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: إنها صغيرة.
فقال له: زوجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، فقال له علي: أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها، فبعثها إليه ببرد وقال لها: قولي له هذا البرد الذي قلت لك، فقالت ذلك لعمر..،» [أعيان الشيعة، (3/486)].
فهنا قالَ عليٌّ لعمرَ: إنَّ أمَّ كلثومَ صغيرةٌ، ثم زوجَّها لهُ بعدَ ذلكَ؛ وهذا دليلٌ قاطعٌ على أنَّ عمرَ كان مستكملًا لجميعِ صفاتِ الزوجِ الصالحِ، ولم يبقَ مانعٌ يحولُ دونَ إنكاحِهِ إلا صغرُ سنِّها.
خامسًا: الشيخَانِ هما مَن دفعَا عليًّا لِخِطبةِ فاطمةَ:
تذكرُ مصادرُ الشيعةِ أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ كانا هما السببَ في زواجِ عليٍّ بفاطمةَ رضي الله عنها، فهما مَن دفعاهُ إلى هذا الزواجِ المباركِ.
روى الطوسيُّ بسندِهِ: «عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: أتاني أبو بكر وعمر فقالا: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا أبا الحسن؟ وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام، ونصرتي له وجهادي، فقال: يا علي، صدقت، فأنت أفضل مما تذكر. فقلت: يا رسول الله، فاطمة زوجنيها..،؟» [الأمالي، للطوسي (1/39)].
فلو كانا يُبغضانِ عليًّا أو يعتقدانِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رفضهما لِنقصِ دينهما، فكيفَ يسعيانِ في تزويجِ مَن يَرونَهُ منافسًا لهما؟!
سادسًا: قاعدةُ الإلزامِ (الحسنُ بنُ عليٍّ مِطلاقًا):
جاءَ في كتبِ الشيعةِ أنَّ عليًّا رضي الله عنه دعا الناسَ إلى رفضِ الحسنِ إذا تقدمَ لِبناتِهم، فقالَ وهو على المنبرِ: «لا تزوجوا الحسن؛ فإنه رجل مطلاق» [الكافي، (6/56)]، وعلَّقَ المجلسيُّ في (مرآة العقول) بأنَّ الحديثَ "موثق" (21/96).
فهل إذا خطبَ الحسنُ، فرفضَ الشيعةُ خطبتَهُ امتثالًا لِأمرِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، يكونُ هذا طعنًا في دينِ الحسنِ؟!
إنْ قُلتم: لا، بَطَلَ طعنُكم في الشيخينِ من بابٍ أولى.
الخلاصةُ:
١. صريحُ الحديثِ أنَّ المنعَ كانَ لِصغرِ السنِّ، والعدولُ عن هذا النصِّ إلى الطعنِ في الدينِ هو تحريفٌ للكلمِ عن مواضعِهِ.
٢. ثبوتُ زواجِ عمرَ من ابنةِ عليٍّ (أمِّ كلثومٍ) هو أكبرُ برهانٍ عمليٍّ من عليٍّ رضي الله عنه على كمالِ دينِ الفاروقِ وصلاحِهِ للمصاهرةِ.
٣. اعترافُ كتبِ الشيعةِ بأنَّ الشيخينِ هما مَن حرَّضا عليًّا على خِطبةِ فاطمةَ يَكشفُ عن نُبلِ مقصدهما وسلامةِ سريرتهما تجاهَ آلِ البيتِ.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يفر من المعارك
٤. الرفضُ في النكاحِ يخضعُ لِعواملَ اجتماعيةٍ وشخصيةٍ (كفارقِ السنِّ أو رعايةِ الأيتامِ) ولا علاقةَ لهُ بالضرورةِ بِنقصِ الدينِ، كما في قصةِ أمِّ هانئٍ مع النبيِّ ﷺ.
لتحميل الملف pdf