أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمُهم زواجَ الفاروق رضي الله عنه من عاتكةَ بنتِ زيدٍ دونَ رضاها

يشنُّ الشيعةُ هجومًا على شخصيةِ الفاروقِ عمرَ رضي الله عنه، زاعمينَ أنَّ غلظتَهُ وشدتَهُ جعلتِ النساءَ يكرهنَ الاقترانَ بهِ، وأنهُ لم يتورعْ عن استخدامِ القوةِ والتدليسِ للزواجِ منهنَّ.

يقولُ عليٌّ الشهرستاني في هذا السياقِ: «إنّ شدّة وغلظة عمر بن الخطَّاب لا يمكن لأحد أن ينكرها، حتَّى إن النساء كن يكرهن التزويج منه لنظرته الخاصة والخاطئة إليهن..، وروى عليّ بن يزيد أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها واشترط عليها ألا تتزوّج بعده، فتبتلت وجعلت لا تتزوج، وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى.

فقال عمر لوليها: اذكرني لها، فذكره لها، فأبت على عمر أيضًا، فقال عمر: زوّجنيها، فزوجه إياها.

فأتاها عمر، فدخل عليها، فعاركها حتَّى غلبها على نفسها، فنكحها، فلمَّا فرغ قال: أف، أف، أف، أففّ بها، ثمَّ خرج من عندها وتركها لا يأتيها، فأرسلت إليه مولاة لها أن تعال فإنِّي سأتهيأ لك".

ثم يخلصُ الشهرستاني إلى دعوى باطلةٍ مفادُها: «لكن النص السابق يشير وبوضوح إلى أن عاتكة لم ترضَ بهذا النكاح، وأنّ عمر أكرهها على ذلك وتجاوز عليها بدون إذنها؛ لأنَّه دخل عليها فعاركها حتَّى غلبها على نفسها». [زواج أم كلثوم، علي الشهرستاني، ص 56].

الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:

أولًا: سقوطُ الروايةِ سندًا وانقطاعًا

الحديثُ الذي بنى عليهِ الشهرستانيُّ شبهتَهُ رواهُ ابنُ سعدٍ في (الطبقاتِ) عن عفانَ بنِ مسلمٍ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ؛ وهذا السندُ تالفٌ لعلتينِ:

١. عليُّ بنُ زيدِ بنِ جدعانَ: وهو ضعيفٌ متفقٌ على سوءِ حفظِهِ، حتى قالَ ابنُ سعدٍ (الذي أخرجَ الروايةَ): «كان كثير الحديث، وفيه ضعفٌ، ولا يحتجّ به".

٢. الانقطاعُ الكبيرُ: فبينَ وقوعِ الحادثةِ وبينَ مولدِ "علي بن زيد بن جدعان" قرابةُ 50 عامًا؛ إذ توفيَ ابنُ جدعانَ بعدَ سنةِ 127 هـ، بينما كانَ زواجُ عمرَ من عاتكةَ سنةَ 12 هـ؛ فكيفَ يروي عمن لم يدركْهم؟!

لذا قالَ المتقي الهنديُّ عن الحديثِ: «رواهُ ابن سعد، وهو منقطع".

ثانيًا: إقرارُ مصادرِ الشيعةِ بصحةِ الزواجِ ووقوعِهِ

إنَّ زواجَ الفاروقِ من عاتكةَ رضي الله عنهما حقيقةٌ تاريخيةٌ لا ينكرُها أحدٌ، وقد أقرَّت بها مصادرُ الشيعةِ أنفسُها دونَ إشارةٍ لِفريةِ الإكراهِ.

يقولُ المجلسيُّ: «عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر، فخلف عليها عمر، ثم الزبير» [بحار الأنوار، (32/336)].

ثالثًا: فقهُ الأثرِ يُبطلُ دعوى الاغتصابِ

إنَّ لفظَ "فعاركها" الواردَ في الأثرِ (على فرضِ صحتِهِ) وقعَ بعدَ قولِ الروايةِ: "فزوَّجهُ"، أي أنَّ الفعلَ كانَ بعدَ عقدِ النكاحِ الشرعيِّ؛ فالمرأةُ زوجتُهُ وليست أجنبيةً عنهُ، وما يَجري بينَ الزوجينِ في ليلةِ الزفافِ من تمنُّعٍ ناتجٍ عن الرهبةِ أو التهيؤِ هو أمرٌ معروفٌ لا يُسمى "اغتصابًا" في لغةِ العقلاءِ.

رابعًا: عاتكةُ هي مَن استدعتْ عمرَ وهيأتْ نفسَها لهُ

إنَّ تَمَنُّعَ عاتكةَ في البدايةِ كانَ لِعدمِ تمامِ استعدادِها لليلةِ العرسِ، والدليلُ من آخرِ الروايةِ ذاتِها؛ حيثُ أرسلتْ لعمرَ تقولُ: «تعال فإني سأتهيأ لك»؛ فلو كانت مُكرهةً أو كارهةً لَهُ لَمَا استدعتْهُ ولَمَا هيأتْ نفسَها لَهُ؛ فالخوفُ والرهبةُ من أولِ ليلةٍ أمرٌ طبيعيٌّ عندَ النساءِ.

خامسًا: ثبوتُ المودةِ والرحمةِ بينَ الزوجينِ

تثبتُ الرواياتُ الصحيحةُ أنَّ عاتكةَ كانت تحبُّ عمرَ رضي الله عنه وتُوقرُهُ؛ فقد روى الإمامُ مالكٌ في (الموطأ): «أن عاتكة ابنة زيد امرأة عمر بن الخطَّاب ‏كانت ‏تقبّل رأس ‏عمر ‏وهو صائمٌ فلا ‏ينهاها».

كما كانت تشترطُ عليهِ الذهابَ للمسجدِ فيسكتُ رضًا بطلبِها، ولو كانت كارهةً لَهُ لَمَا قبلتْ رأسَهُ ولَمَا سعتْ خلفَهُ للمسجدِ.

سادسًا: الرفضُ الأولُ كانَ لِوفاءٍ قديمٍ لا لِكُرهٍ لِعمرَ

سببُ رفضِ عاتكةَ للخُطَّابِ في البدايةِ (ومنهم عمر) هو عهدٌ قطعتهُ لزوجِها الأولِ عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ ألا تتزوجَ بعدَهُ، فكانت تقولُ: "فآليت لا تنفكّ عيني حزينةً.. عليك".

لكنَّ عمرَ رغبَ في سترِها والزواجِ منها، فكفَّرتْ عن يمينِها وتزوجتْهُ؛ والزواجُ من خيارِ الصحابةِ وابنِ عمِّها خيرٌ من الانقطاعِ والوحدةِ، وهذا فعلُ العقلاءِ.

سابعًا: إلزامُ الشيعةِ بتناقضِهم في طعنِهم بآلِ البيتِ

يطعنُ الشيعةُ في عمرَ رضي الله عنه بادعاءِ الاغتصابِ في زواجِهِ من "أم كلثوم" بنتِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ويردونَ حديثًا ينسبونَهُ لجعفرٍ الصادقِ يقولُ: «ذاك فرجٌ غصبناهُ»؛ وهذا الحديثُ يطعنُ في "عليِّ بنِ أبي طالبٍ" قبلَ أن يطعنَ في عمرَ؛ إذ يلزمُ منهُ اتهامُ عليٍّ بالضعفِ والجبنِ، فكيفَ يتركُ ابنتَهُ تُغتصبُ وهو أسدُ اللهِ؟!

وحتى علماءُ الشيعةِ العقلاءُ استقبحوا هذا القولَ؛ يقولُ الميرزا أبو الحسن الشعراني: «وأنا لا أرضى بأن أنسب الزّنا إلى ذرّيّة رسول الله صلى الله عليه وآله ، لا للتقيّة ولا للضرورة..، ولا أستطيع أن أقول: رضي عليه السلام بأن يسلّم ابنته للزّنا تقيّةً واضطرارًا». انظر: (تعليقة الميرزا أبو الحسن الشعراني على كتاب "الوافي" للفيض الكاشاني، ج 21، ص 108-109)

ثامنًا: الإلزامُ بوقوعِ الإكراهِ في بيتِ المعصومِ

ذكر الكلينيُّ أنَّ الإمامَ موسى الكاظمَ زوَّجهُ أبوهُ (المعصوم) من امرأةٍ لا يريدُها وسيئةِ الخُلقِ، وكانَ الكاظمُ يهربُ منها بتسلقِ الجدرانِ! فإنْ جازَ لِلمعصومِ أن يُكرهَ ابنَهُ المعصومَ على زواجٍ لا يرتضيهِ، فبأيِّ حقٍّ تطعنونَ في عمرَ بروايةٍ منقطعةٍ وتالفةٍ؟!

فقد روى الكليني في (الكافي) بسنده، عن خطاب بن سلمة قال: «كانت عندي امرأة تصف هذا الأمر (أي شيعية)، وكان أبوها كذلك، وكانت سيئة الخلق، فكنت أكره طلاقها لمعرفتي بإيمانها وإيمان أبيها، فلقيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن طلاقها، فقلت: جعلت فداك إن لي إليك حاجة فتأذن لي أن أسألك عنها؟ فقال: ايتني غدًا صلاة الظهر.

قال: فلما صليت الظهر أتيته فوجدته قد صلى وجلس، فدخلت عليه وجلست بين يديه، فابتدأني فقال: يا خطاب، كان أبي زوجني ابنة عم لي، وكانت سيئة الخلق، وكان أبي ربما أغلق علي وعليها الباب رجاء أن ألقاها، فأتسلق الحائط وأهرب منها، فلما مات أبي طلقتها، فقلت: الله أكبر أجابني والله عن حاجتي من غير مسألة». [الكافي، الكليني، ج 6، ص 55].

ووجهُ الشاهدِ والإلزامِ:

١. وقوع الإكراه: الإمام جعفر الصادق (المعصوم عندهم) أجبر ابنه موسى الكاظم (المعصوم أيضًا) على الزواج من امرأة لا يريدها، بل وكان يغلق عليهما الباب لإجباره على الدخول بها.

٢. سيئة الخلق: يصف الكاظم زوجته بأنها كانت "سيئة الخلق"، ومع ذلك زوجه أبوه إياها، وهذا يصطدم مع دعوى كمال الاختيار وحسن المعاشرة التي يطالبون بها غيرهم.

٣. الهروب: تصرح الرواية بأن "المعصوم" كان يهرب من زوجته بتسلق الجدران! فإذا كان هذا التوتر والهروب والإكراه يقع في بيت أئمتهم، فلماذا يشنعون على عمر رضي الله عنه برواية منقطعة تتحدث عن "عراك" ليلة زفاف انتهى بطلب الزوجة لزوجها طائعة؟!

٤. التناقض المنهجي: الشيعة يطعنون في عمر رضي الله عنه بتهمة "الإكراه" في الزواج، بينما كتبهم تثبت أن أئمتهم مارسوا الإكراه الفعلي مع أبنائهم في التزويج ممن يكرهون.

الخلاصةُ:

١. الروايةُ منقطعةٌ وضعيفةٌ جدًّا، وعمرُ رضي الله عنه زواجُهُ من عاتكةَ كانَ بعقدٍ شرعيٍّ وإقرارٍ من وليِّها، وما جرى ليلةَ الزفافِ هو تمنُّعٌ طبيعيٌّ تراجعَت عنهُ عاتكةُ واستدعتْ زوجَها بنفسِها.

٢. مودةُ عاتكةَ لِعمرَ ثابتةٌ بتقبيلِ رأسِهِ وملازمتِهِ، والرفضُ الأولُ كانَ لِوفاءٍ قديمٍ لِزوجٍ سابقٍ وليسَ لِكرهٍ في الفاروقِ.

اقرأ أيضا|  زعمهم أنَّ النبيَّ ﷺ رفضَ تزويجَ فاطمةَ لأبي بكرٍ وعمرَ طعنًا في دينهما

٣. الطعنُ في زواجِ عمرَ بالإكراهِ (سواءً من عاتكةَ أو أم كلثوم) هو في حقيقتِهِ طعنٌ في رجولةِ وعدالةِ أصحابِ الشأنِ كعليِّ بنِ أبي طالبٍ، ولا يرتضيهِ عاقلٌ.

٤. تناقضُ المعتقد الشيعيِّ في تجويزِ الإكراهِ في الزواجِ على أئمتِهم (كما في قصة الكاظم) يُسقطُ صلاحيتَهم للاحتجاجِ بهذهِ الشبهةِ.


لتحميل الملف pdf

تعليقات