أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

قولهُم كيفَ يُعزُّ الإسلامُ بالفاروق رضي الله عنه وقد كانَ خائفًا في بيتهِ؟

يُحاولُ الشيعة التشكيكَ في دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه بالإعزازِ؛ بزعمِ تناقضِ هذا الدعاءِ معَ ما وردَ في السِّيرِ من أنَّ عمرَ رضي الله عنه اعتزلَ الناسَ في بيتهِ خائفًا يومَ أسلمَ. واستدلوا على ذلكَ بما رواهُ البخاريُّ: «عن زيدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن أبيهِ قال: بينما هو في الدّار خائفًا؛ إذ جاءه العاص بن وائلٍ السّهميُّ..، فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنّهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك..،» [صحيح البخاري، (3864)].

وقد وظفَ علماءُ الشيعةِ هذه الروايةَ للطعنِ في شجاعةِ الفاروقِ وإعزازِ الدينِ بهِ، كالعامليِّ في كتابِهِ [الصراط المستقيم، (3/279)]، وعليٍّ الشهرستانيِّ الذي قال: «أو خوفه من قريشٍ يومَ أسلمَ حتى أجارهُ العاصُ بنُ وائلٍ..،» [زواج أم كلثوم الزواج اللغز، ص 237].

الردُّ التفصيليُّ على الشبهةِ:

أولًا: ثبوتُ حديثِ الإعزازِ وصحةُ متنهِ:

إنَّ حديثَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ» حديثٌ صحيحٌ، رواهُ الترمذيُّ وأحمدُ وابنُ حبانَ والحاكمُ، وصححهُ الألبانيُّ [سنن الترمذي، (3683)].

وقد رَدَّ الملا علي القاري على مَن زعمَ أنَّ الإسلامَ لا يُعزُّ بالرجالِ؛ بأنَّ هذا من قبيلِ قولهِ تعالى: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) أي قَوَّيناهم بهِ.

 وقد حصلَ إعزازُ الدِّينِ بعمرَ رضي الله عنه أولًا بجهرهِ بالإسلامِ بعدَ خفاءٍ، وآخرًا بفتوحاتهِ العظيمةِ التي طهرت الأرضَ من شركِ الفرسِ والرومِ [مرقاة المفاتيح، (9/3900)].

ثانيًا: حقيقةُ "خوفِ" عمرَ رضي الله عنه وبطولتِهِ:

إنَّ خوفَ عمرَ رضي الله عنه في بيتهِ لم يكن جُبنًا، بل كانَ نتيجةَ قتالٍ عنيفٍ خاضَهُ مُنفردًا ضدَّ قريشٍ بأكملِها.

تذكرُ الروايةُ أنَّ عمرَ رضي الله عنه حينَ أسلمَ جهرَ بدينهِ عندَ الكعبةِ وثاروا إليهِ، فما بَرِحَ يقاتلُهم ويقاتلونَهُ حتى قامتِ الشمسُ على رؤوسِهم وكَلَّ وتعبَ [سيرة ابن هشام، (1/348)].

فخوفُهُ كانَ من اجتماعِ القبائلِ على قتلهِ بعدَ معركةٍ غيرِ متكافئةٍ، وهو "خوفٌ جِبلّيٌ" بشريٌّ لا يقدحُ في شجاعةِ مَن وقفَ وحيدًا يتحدى أمةً كاملةً.

ثالثًا: الخوفُ في سِيَرِ الأنبياءِ عليهم السلامُ:

إذا كانَ الخصومُ يعيبونَ على الفاروقِ رضي الله عنه وقوعَ الخوفِ في قلبهِ لحظةً، فماذا يقولونَ في نبيِّ اللهِ موسى عليه السلامُ الذي ذَكرَ القرآنُ خوفَهُ في مواضعَ عديدةٍ؟ كقولهِ تعالى: (فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) [الشعراء: 14].

فإذا اتهمتم عُمرَ بالجبنِ لزمكم اتهامُ موسى عليه السلامُ بذاتِ التهمةِ! إنَّما هو خوفُ مَن يخشى فواتَ النصرةِ للدينِ قبلَ تمامِ المهمةِ، ونفسُ الأمرِ معَ عُمرَ لما اطمأنَّ بكلامِ حليفِ قبيلتِهِ العاصِ بنِ وائلٍ.

رابعًا: اعترافُ الصحابةِ بهذا الإعزازِ:

لقد شهدَ الواقعُ التاريخيُّ والمشاهدةُ المباشرةُ بصدقِ دعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى البخاريُّ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «ما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر» [صحيح البخاري، (3684)].

وهذا اعترافٌ من أهلِ الميدانِ المقاتلينَ بأنَّ كفةَ المسلمينَ رَجحت بقوةِ عُمرَ وبأسهِ.

خامسًا: حجةُ "الإلزامِ" وتناقضُ الخصومِ:

من العجيبِ أن يطعنَ الرافضةُ في عُمرَ لخوفِ ساعةٍ وهو بطلُ الميادينِ، بينما يروونَ في كتبِهم أنَّ إمامَهم (المهديَّ) غائبٌ منذُ أكثرَ من ألفِ عامٍ خوفًا من القتلِ! روى الكلينيُّ والصدوقُ: «لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل» [كمال الدين، ص 321].

ومحلُّ الشاهدِ أنَّ مَن خافَ ساعةً في بيتهِ ثم خرجَ مُستعلنًا بدينهِ وقهرَ إمبراطورياتِ الكفرِ، خيرٌ مِمَّن خافَ مئاتِ السنينِ واختبأَ في الحُفرِ! فكيفَ تذُمونَ الفاروقَ بما تمدحونَ بهِ أئمتَكم؟

الخلاصةُ:

دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمرَ بالإعزازِ حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، والواقعُ التاريخيُّ أكبرُ شاهدٍ على تحققِهِ.

موقفُ عُمرَ رضي الله عنه يومَ إسلامهِ كانَ قمةً في الشجاعةِ؛ إذ جهرَ بدينهِ وقاتلَ قريشًا مُنفردًا حتى كَلَّ مِنهُم وكَلُّوا مِنهُ.

الخوفُ الذي اعتراهُ هو خوفٌ بشريٌّ جِبلّيٌ وقعَ للأنبياءِ كَموسى عليه السلامُ، ولا علاقةَ لهُ بالجُبنِ.

اقرأ أيضا| اتهامُ الفاروق رضي الله عنه بأنهُ كانَ يأتي أهلهُ في الدبرِ

التناقضُ الصارخُ عندَ الرافضةِ الذينَ يَعيبونَ الخوفَ على عُمرَ، بينما يجعلونَ "الخوفَ" هو العِلةَ في غيابِ إمامِهم واختفائهِ طوالَ هذهِ القرونِ.


لتحميل الملف pdf

تعليقات