أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

الفاروق رضي الله عنه في سطور

إن التعريف برجل في قيمة وقامة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهو من باب تعريف الشمس بالشمس؛ إذ يكفي القارئ المنصف أن يطرق اسمه مسامعه حتى يجله ويوقره؛ لما عرف عنه من السيرة الزكية والأخلاق العالية، وحسبه تزكية ثناء الديان عليه في محكم التنزيل مع الصحب والآل الكرام، ورضا النبي صلى الله عليه وسلم عنه وعن مسيرته حتى لحق بالرفيق الأعلى.

أولًا: اسمه ونسبه

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. ويجتمع نسبه رضي الله عنه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الجد الأعلى "كعب بن لؤي" [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 28/68].

•     أمه: حنتمة بنت هشام المخزومية.

•     كنية: أبو حفص.

•     لقبه: الفاروق؛ لقبه به النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أظهر به الملة وفرق به بين الكفر والإيمان.

ثانيًا: المولد والملامح الخلقية

ولد رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة؛ وبذلك كان أصغر سنًا من صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة حجة. أما عن مهابته وملامحه الخلقية، فقد وصفه ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بقوله: «كان أبي أبيض تعلوه حمرة، طوالًا، أصلع، أشيب» [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 28/69].

وقال غيره: «كان رجلًا طويلًا جسيمًا، شديد الحمرة، في عارضيه خفة، وكانت سبلته عريضة (شاربه كبيرًا)؛ فكان إذا حزبه أمر أو غضب فتلها بيده" [تهذيب الأسماء واللغات، النووي، 2/14].

ونقل أن بشرته استحالت إلى السمرة عام الرمادة؛ وما كان ذلك إلا من آثار الجهد، والتأثر بمجاعة الناس وهو يتفقد أحوال الرعية تحت أشعة الشمس. كان سريع المشية، إذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع [الخليفة الفاروق، العاني، ص 15].

ثالثًا: زوجاته وأولاده

تزوج رضي الله عنه خلال حياته في الجاهلية والإسلام بسبع نساء، ورزقه الله منهن ذرية من البنين والبنات [البداية والنهاية، ابن كثير، 7/144؛ تاريخ الطبري، 5/191]:

•     أزواجه: زينب بنت مظعون، ومليكة بنت جرول (طلقها)، وقريبة بنت أبي أمية المخزومية (طلقها)، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام، وجميلة بنت عاصم، وعاتكة بنت زيد، والسيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما (وهي المصاهرة التي قطعت دابر الشبهات).

•     الأولاد الذكور: عبد الله (الفقيه المحدث)، وعبيد الله، وعاصم، وزيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعبد الرحمن الأكبر، وعياض، وأبو شحمة (عبد الرحمن الأوسط)، وعبد الرحمن الأصغر.

•     الأولاد الإناث: حفصة (أم المؤمنين وزوج النبي صلى الله عليه وسلم)، ورقية، وفاطمة، وعائشة، وصفية، وجميلة، وزينب.

رابعًا: قصة إسلامه

كان الفاروق قبل إسلامه حريصًا على حمية قريش؛ فلما ضاق ذرعًا بانتشار كلمة التوحيد، خرج متوشحًا سيفه لقطع دابر الدعوة بالتخلص من الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي طريقه، علم أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد قد تبعا محمدًا، فتوجه إليهما مسرعًا.

فلما دخل دارهما سمع قراءة القرآن، فبطش بصهرها سعيد، ولطم أخته فاطمة حين دافعت عن زوجها حتى دميت.

وعند رؤية دم أخته، رق قلبه، وطلب أن يقرأ الصحيفة التي كانت معهما، فاشترطت عليه أن يغتسل؛ فتطهر وقرأ صدر سورة طه..، فاهتزت أركانه خضوعًا، فلما بلغ قوله تعالى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14]، قال: «ينبغي لمن يقول هذا ألا يعبد معه أحد، دلوني على محمد» [فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، 1/344].

وكان إسلامه استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب»؛ فكان هو الأحب إلى الله [سنن الترمذي، رقم 3682].

وأعلن إسلامه في العام السادس من البعثة وهو ابن سبع وعشرين سنة، بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة أيام [تاريخ الخلفاء، السيوطي، ص 137].

خامسًا: عقيدته

انصهر عمر بكليته في نبع الإسلام الصافي؛ فانهارت في نفسه ركائز الجاهلية من الوثنية والكهانة، وحل محلها توحيد الله وإخلاص العبادة له؛ حيث تربى على مائدة القرآن وتلمذته المباشرة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار يعبد الله كأنه يراه، وانعكست ثمار هذه العقيدة انضباطًا وورعًا في جوارحه وسياسة رعيته [عمر بن الخطاب، علي الخطيب، ص 51-52].

سادسًا: موافقاته للقرآن الكريم

تميز الفاروق بفراسة صادقة، وعقل ملهم، وفقه عميق شهد له به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم» [صحيح البخاري، رقم 82].

وقد جعل الله الحق على لسانه وقلبه؛ فكان يبدي رأيه في النوازل، فينزل الوحي مؤيدًا له وموافقًا لرأيه في مسائل شتى، أدخلها العلماء في أسباب النزول [مسند أحمد، 9/144، 9/508]. ومن أشهر هذه الموافقات:

1.    الموافقات الثلاث الصريحة: ثبت عنه أنه قال: «وافقت ربي في ثلاث (أو وافقني ربي في ثلاث)؛ قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وقلت: يا رسول الله، يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن بالحجاب؟ فنزلت آية الحجاب، وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن وقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرًا منكن، فنزلت: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلمات...} [التحريم: 5]" [صحيح البخاري، رقم 4483].

وقد تتبع الحافظ ابن حجر هذه الموافقات بالتعيين في مرويات أخرى فأوصلها إلى خمسة عشر موضعًا؛ كقصة أسارى بدر، والصلاة على المنافقين [فتح الباري، ابن حجر، 1/505].

2.    قصة أسارى بدر: رأت عامة الصحابة أخذ الفداء من الأسرى، بينما رأى عمر إثخان القتل في رؤوس الكفر لكسر شوكتهم؛ فنزل القرآن مصدقًا لرأي عمر: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] [مسند أحمد، 1/335].

3.    التدرج في تحريم الخمر: كان عمر يدعو الله قائلًا: «اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء»، فنزل التدرج في البقرة، ثم النساء، حتى نزل التحريم القاطع في سورة المائدة، فلما سمع قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]، قال عمر: «انتهينا، انتهينا» [مسند أحمد، 1/443].

تؤكد هذه المآثر والموافقات أن الفاروق رضي الله عنه كان رجلًا ملهمًا، زكى الوحي عقله وقلبه، وعاش حياته كلها يدور مع كتاب الله حيث دار

سابعًا: مع النبي صلى الله عليه وسلم

•     في مكة المكرمة: سخر الفاروق رضي الله عنه كل طاقاته وإمكاناته لخدمة الدعوة منذ إعلانه الإسلام، فكان إسلامه عزًّا للمسلمين وظهورًا للحق؛ حيث انتهى معه عهد الاستخفاء بالدين، وبدأ عهد الجهر به والصدع بكلمة التوحيد. وكان يمثل مع أسد الله حمزة بن عبد المطلب درعي قوة وحصنًا متينًا للدين ولضعفاء المسلمين، وفي ذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ولقد كنا لا نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر رضي الله عنه، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه» [سيرة ابن هشام، 2/95].

•     في الهجرة: سار عمر في هجرته على ذات طريق العزة؛ فبينما هاجر عامة المسلمين سرًا رعايةً للمصلحة وحفاظًا على أنفسهم من بطش قريش، جهر عمر بهجرته معلنًا مضيه إلى المدينة المنورة.

أما إسرار النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته فكان وحيًا من الله تعالى وحكمة تدبير لحفظ شخصه الكريم الذي يمثل أساس الدعوة ولبنتها الأولى.

•     في المدينة المنورة: لازم الفاروق النبي صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، وشهد معه المشاهد كلها، فكان من أحب أصحابه إليه، واستوزره مع الصديق فكانا خيري وزيرين، وصاهره بزواج النبي من ابنته حفصة فكان من خيري أصهاره.

وقد شارك رضي الله عنه في كل الغزوات النبوية؛ فشهد في العام الثاني الهجري غزوات: الأبواء، وبواط، والعشيرة، وبدر الأولى، وبدر الكبرى، وبني سليم، وبني قينقاع، والسويق. وفي العام الثالث: ذي أمر، وبحران، وأحد، وحمراء الأسد. وفي الرابع: بني النضير، وذات الرقاع. وفي الخامس: دومة الجندل، وبني المصطلق، والخندق، وبني قريظة. وفي السادس: بني لحيان، وذي قرد، وصلح الحديبية. وفي السابع: خيبر، وعمرة القضاء. وفي الثامن: فتح مكة، وغزوة حنين، وحصار الطائف. وفي التاسع: غزوة تبوك [مناقب أمير المؤمنين، ابن الجوزي، ص 89].

وعاش حياته كلها وهو يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من ماله وولده ونفسه والناس أجمعين، وتوفي النبي وهو عنه راضٍ، وكفى بذلك منقبة وفخرًا.

ثامنًا: مع الصديق رضي الله عنه

شهدت الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم نوازل عصيبة تطلبت قرارات حاسمة لحفظ بيضة الإسلام، وكان للفاروق فيها اليد البيضاء والمواقف المسددة في مؤازرة الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فهو الذي قطع دابر الخلاف يوم السقيفة وجمع كلمة المسلمين على مبايعة الصديق، ولولاه بعد توفيق الله لحدثت فتنة عظيمة بين المهاجرين والأنصار.

وظل عمر مستشارًا أمينًا، يحيط الصديق بنصحه ورأيه المسدد، ومن ناصع مواقفهما معًا [عمر بن الخطاب، علي الصلابي، ص 77-83]:

•     مشورته في قتال المرتدين وإنفاذ بعث أسامة: أشار عمر في بَدء الأمر بالتريث في قتال مانعي الزكاة وعدم إنفاذ جيش أسامة بن زيد ريثما تستقر الأوضاع في المدينة، فلما رأى عزم الصديق وحسمه، انقاد لأمره ووقف معه وقفة الناصح الأمين والمؤيد المعين.

•     رأيه في ديات شهداء الردة: وافق الصديق رأي الفاروق في عدم أخذ الديات من القبائل التي ارتدت عن شهداء المسلمين؛ لأنهم قاتلوا جهادًا في سبيل الله وطلبًا لمرضاته، فأجرهم على الله تعالى وحده.

•     موقفه من إقطاع الأراضي: أراد الصديق منح الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن أرضًا فضاءً للاستصلاح تأليفًا لقلوبهما، وطلب من عمر الشهادة على الكتاب، فرفض عمر شهامته المعهودة وبيّن للصديق أن هذه الأرض ملك لعامة المسلمين بعد أن أعز الله الإسلام ولم يعد هناك حاجة للتأليف، فرجع الصديق إلى رأي عمر.

•     إشارته بجمع القرآن: وهي أعظم مواقفه مع الصديق؛ إذ أشار عليه بجمع القرآن الكريم في مصحف واحد بعدما استحرّ القتل واستشهد خلق كثير من حفظة كتاب الله في معركة اليمامة، فتردد الصديق أول الأمر ثم شرح الله صدره لرأي عمر، فكان هذا الجمع حصنًا لكتاب الله من الضياع.

تاسعًا: في خلافته رضي الله عنه

آلت الخلافة إلى الفاروق بعهد من الصديق، فقام بأعبائها خير قيام، وضرب المَثل الأعلى في العدل ورعاية الرعية وسياستهم بالرحمة والوقار؛ فكان يتفقد أحوال الناس بنفسه في سواد الليل، ويدبر شؤونهم في وضح النهار.

ومن روائع سيرته في رعاية الأمة [حياة السلف بين القول العمل، ص 564-565]:

•     إغاثة المكروبين: خرج ليلة يتفقد أحوال الناس فوجد امرأة يضربها المخاض في برية وليس عندها من يعينها، فهرع إلى بيته وحمل زادًا على ظهره واستصحب زوجته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما لتوليد المرأة، وقام على خدمتهم طاهيًا للطعام دون أن يعرفوا أنه أمير المؤمنين حتى فرغوا.

•     إطعام الجياع: رأى امرأة أوقدت نارًا تحت قدر فيه ماء تعلل به أطفالها الجياع حتى يناموا، فبكى رضي الله عنه وذهب مسرعًا إلى بيت المال وحمل الدقيق واللحم على ظهره، وصنع لهم الطعام بنفسه ونفخ النار بلحيته حتى أكلوا وناموا. وكان يقوم على رعاية العجائز والمقعدين سرًا ويقضي حوائجهم دون إعلامهم بمقامه.

•     فقهه في النوازل (طاعون عمواس): ظهرت عبقريته وفقهه العالي حين خرج إلى الشام وعلم بانتشار الطاعون بها، فأمر الناس بالرجوع؛ فقال له أبو عبيدة بن الجراح: «أفرارًا من قدر الله؟» فرد عليه عمر بحكمته البالغة: «نفر من قدر الله إلى قدر الله». وتأيد رأيه بحديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه..." [متفق عليه].

•     مواساته للرعية في عام الرمادة: أصاب الناس قحط وجوع شديد استمر تسعة أشهر، فأنفق عمر كل ما في بيت المال، وحرّم على نفسه أكل اللحم والسمن واقتصر على الزيت والخل مواساةً للمسلمين، حتى شحب لونه وضمر جسده، ولم يزل يدعو ربه ويستغيث حتى كشف الله الغمة وأغاث العباد صلاة الاستسقاء [عمر بن الخطاب، الصلابي، ص 251-253].

•     التوسعات والعمران: أمر بتوسعة المسجد النبوي الشريف سنة سبع عشرة للهجرة لاستيعاب زيادة المسلمين، فاشترى البيوع المحيطة به، ووهب العباس بن عبد المطلب بيته صدقة للمسجد فبنى له عمر دارًا من بيت المال. كما وسع المسجد الحرام، وأحاطه بجدار وأبواب، وصنع ردمًا في أعلى مكة لحمايته من السيول [الفاروق عمر، محمد رضا، ص 31-35].

•     الفتوحات ومأسسة الدولة: اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهده اتساعًا مذهلًا؛ ففتحت بلاد الشام، والعراق، وإيران، ومصر، وليبيا، وامتدت الفتوح حتى تخوم الصين شرقًا وتونس غربًا وبلاد النوبة جنوبًا، وكل هذا المجد شُيّد في عشر سنوات فقط [الفاروق القائد، محمود شيت خطاب، ص 30-60].

ومع هذا التوسع، رسخ مبدأ الشورى نظامًا للحكم، وأنشأ الدواوين لضبط الأموال والأعطيات، واعتنى بالجيش، فخافته ملوك العجم والعرب وهابته مهابةً ألانها وقاره ورحمته برعيته.

عاشرًا: وفاته واستشهاده رضي الله عنه

ختم الله للفاروق حياته بأكرم ميتة؛ حيث طعنه علج كافر خبيث المذهب، هو أبو لؤلؤة المجوسي عابد النار، وهو قائم يصلي بالمسلمين صلاة الفجر في المحراب، وكان ذلك يوم الأربعاء لثلاث أو أربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، عن عمر يناهز الثلاثة والستين عامًا.

فلما أفاد رضي الله عنه وعلم أن الذي طعنه مجوسي ولم يسجد لله سجدة، استبشر وحمد الله تعالى أن قتله لم يكن على يد رجل مسلم يحاجّه بها عند الله. وبقي بعدها ثلاثة أيام ثم فاضت روحه الشريفة إلى بارئها شهيدًا، وكان قبل موته قد أرسل ابنه عبد الله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها في أن يُدفن بجوار صاحبيه: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق، فأثرته به ورضيت [عمر بن الخطاب، الصلابي، ص 597].

فأنعم به من رفيق، وحسبه فخرًا أن يجاورهما حيًا وميتًا، ورضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.

حادي عشر: شهادة علِي في الفاروق رضي الله عنهما

تتجلى أواصر المحبة والولاء بين الصحابة الأبرار في أصدق صورها عند النوازل؛ ومن ناصع ذلك ما سطره التاريخ من شهادة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أخيه الفاروق عند وفاته.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: وُضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يُرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: «ما خلفت أحدًا أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" [متفق عليه].

ثاني عشر: عبقرية الإنجازات والأولويات العمرية

كان السيّد الفاروق رضي الله عنه مؤسس الدولة الإسلامية الحديثة بامتياز، وواضع حجر الأساس للأنظمة الإدارية، والقضائية، والعسكرية، والمالية التي لم تسبق إليها الأمة، وتُعرف في مصنفات السير والتاريخ بـ "أوليات عمر"، ومن أبرزها:

1. التنظيم الإداري والاجتماعي مع الرعية

•     التأريخ الهجري: أول من وضع تاريخًا مستقلًا للمسلمين، واتخذ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ له.

•     نظام العسس: أول من طاف بالليل بنفسه يتفقد أحوال الرعية بانتظام، في سُنّة إدارية لم تعهدها الحضارات قبله.

•     المؤتمرات الرقابية: أول من عقد مؤتمرات سنوية عامة للقادة والولاة في موسم الحج؛ لمحاسبتهم، والاطمئنان على أحوال الرعية، ومتابعة قيامهم بالواجبات.

•     مشروع تمصير الأمصار: أول من أمر بتأسيس المدن الإسلامية الحاضرة (كالكوفة والبصرة والفسطاط) لتكون مراكز استقرار وتنمية.

•     هيبة القانون: أول من اتخذ "الدرة" (عصا صغيرة) أداة حزم لتأديب المخالفين وإقامة الحق، وتعبيد الطرق للمارة.

2. تنظيم الشعائر والعبادات

•     صلاة التراويح: أول من جمع المسلمين بانتظام خلف إمام واحد في صلاة القيام بشهر رمضان.

•     تقنين الشورى: أول من حصر الخلافة وجعلها شورى في عدد محدد من أهل الحل والعقد (الستة أصحاب الشورى).

•     إعمار الحرمين الشريفين: أول من أحدث توسعة كبرى في المسجد الحرام والمسجد النبوي.

•     رعاية أهل القرآن: أول من رتب الجوائز والرواتب لحفظة كتاب الله تعالى، وأول من أخر مقام إبراهيم بمكّة لتوسعة المطاف على الحجاج.

•     توحيد صلاة الجنازة: جمع الأمة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة بعد أن كانت تتفاوت.

3. السياسة التشريعية مع غير المسلمين

•     حفظ الاستقرار الاستراتيجي: رتب إجلاء اليهود عن جزيرة العرب تنفيذًا للوصية النبوية وحفظًا لأمن الدولة.

•     التكافل الاجتماعي مع أهل الذمة: أسقط الجزية بالكلية عن الفقراء، والعجزة، والزمنى من أهل الكتاب.

•     الضمان الاجتماعي: أول من جرى لهؤلاء الضعفاء من أهل الذمة رواتب ونفقات دورية من بيت مال المسلمين.

•     حرية المعتقد ودور العبادة: مَنع هَدم كنائس النصارى وصان مواثيقهم، وجعل الجزية مرنة تؤخذ على حسب المستوى المعيشي والقدرة المالية للمكلف.

4. العبقرية الاقتصادية والسياسية

•     تدوين الدواوين: أول من أنشأ الدواوين (الوزارات والسجلات الرسمية) لضبط شؤون الدولة وجباية الأموال وتوزيع الأعطيات.

•     نظام التموين: أول من أنشأ "دار الدقيق" وهي مؤسسة تموينية عامة لتخزين الأغذية وإغاثة المحتاجين.

•     مأسسة الأوقاف: أول من حبّس الأوقاف في الإسلام ونظم شؤونها.

•     إقرار الذمة المالية: أول من أحصى أموال عماله وقواده وولاته قبل توليتهم، وطالبهم بكشف حساب لأموالهم عند عزلهم أو محاسبتهم (مبدأ من أين لك هذا).

•     النظام النقدي والمصرفي: أول من أسس بيت مال المسلمين كوزارة مالية مستقلة، وأول من ضرب الدراهم الإسلامية وقدر وزنها بدقة، كما أقرض الفائض من بيت المال للتجار لتنشيط الحركة الاقتصادية، وجعل نفقة اللقيط (مجهول النسب) والتكفل به من بيت المال.

•     مسح الأراضي وخطط الضيافة: أول من مسح الأراضي الزراعية وحدد مساحاتها لضبط الخراج، وأنشأ دورًا مجانية لضيافة المسافرين وأبناء السبيل.

5. التنظيم العسكري وشؤون الحروب

•     القواعد العسكرية: أقام المعسكرات الحربية الدائمة في الأمصار (كدمشق، وفلسطين، والأردن) لتكون منطلقًا للجيوش وجدارًا لحماية الثغور.

•     التجنيد والنظام الاحتياطي: أول من أمر بالتجنيد الإجباري للشباب والقادرين على حمل السلاح، وأسس جيشًا احتياطيًا نظاميًا بلغ قوام فرسانه ثلاثين ألف فارس.

•     رعاية الحقوق الاجتماعية للجند: أول من حدد مدة غياب الجنود في الثغور عن زوجاتهم وبيوتهم بأربعة أشهر كحد أقصى.

•     التقرير الاستخباراتي والرقابي: ألزم قادة الجيوش بموافاته بتقارير مفصلة ومكتوبة عن أحوال الجند، والمعارك، وطبيعة البلاد.

•     الخدمات اللوجستية للجيش: أول من دوّن "ديوان الجند" لضبط الأسماء والرواتب، وخصص الأطباء، والمترجمين، والقضاة، والمرشدين لمرافقة الحملات العسكرية، فضلًا عن إنشاء مخازن الأغذية الكبرى للجيوش.

 

اقرأ أيضا|   زعمهم أن تولي الصديق والفاروق وذي النورين الخلافة تباعًا كان أمرًا مخططًا بينهم

وبعد..، فهذا غيض من فيض، ونزار قليل من بحر سيرة هذا العملاق الملهم، أردنا به تسليط الضوء على معالم العظمة في سيرة الفاروق؛ ليعي كل مسلم منزلة هذا الإمام الفذ، ويدرك تهافت وبطلان الطعون التي يوجهها غلاة الشيعة إليه، محاولين إلصاق الهنات والنقائص برجل شهد له الوحي والتاريخ بالعدل والعبقرية. ولعلنا من خلال السطور القادمة نستبين طرائق هؤلاء المنحرفين في نقد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف رموهم بوقيعة واحدة، لتتضح للمطالع الكريم معالم السبيلين، وتنكشف دعاوى الزيف والبهتان.


لتحميل الملف pdf

تعليقات