أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن من السنة الضحكَ عند سبِّ الصديق رضي الله عنه

يزعم الشيعة أنَّ النبيَّ ﷺ كان يضحك ويتبسم عند سبِّ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، محاولين بذلك الحط من قدر الصديق وإظهار رضا النبي ﷺ عن إهانته، واستدلوا برواية طويلة يزعمون فيها أنَّ رجلًا قال للصديق: «إِنَّكَ مِنْ زَمَعَاتِ قُرَيْشٍ، وَلَسْتَ مِنَ الذَّوَائِبِ»، فجعل النبي ﷺ يتبسم. [السيرة لابن حبان (1/93)، ودلائل النبوة للبيهقي (2/422)].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: صيانة مقام النبوة عن الأخلاق الرذيلة

إنَّ مجرد طرح هذه الشبهة هو طعنٌ صريح في مقام النبوة قبل أن يكون طعنًا في الصديق؛ إذ كيف يُنسب لنبي الرحمة والأخلاق أنه يضحك عند وقوع المعصية أو يرضى بالسب والقذف، وهو المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق؟!

وقد أوردوا في كتبهم قوله ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»، «هداية الأمة إلى أحكام الأئمة» (8/114)، وفي «ميزان الحكمة» (6/211) قوله ﷺ: «إذا أرادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيرًا جَعَلَ لَهُ وَزيرًا صالِحًا، إن نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإن ذَكَرَ أعانَهُ».

فالنبي ﷺ لا يمكن أن يضحك عند معصية الله (كالسب والتعيير)، فهذا يتنافى مع أصل النبوة، ولو جاءت هذه القصة بأصح الأسانيد لوجب ردها صيانةً لجناب المصطفى ﷺ، فكيف وهي روايات تالفة لا تصح سندًا؟!

ثانيًا: تهافت الأسانيد وبطلان الرواية حديثيًا

إن القصة التي يروجها الخصوم تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة؛ إذ إن جميع طرقها تدور حول رجالٍ طُعن في معتقدهم أو في ضبطهم، وإليك البيان التفصيلي لعلل هذه الأسانيد:

مدار الرواية (أبان بن تغلب) وغلبة الهوى

تجتمع كافة طرق القصة عند أبان بن تغلب عن عكرمة، وأبان هذا، وإن كان صدوقاً في روايته عند البعض، إلا أنه كان "شيعيًّا جلدًا" كما وصفه الذهبي (ميزان الاعتدال، 1/5)، و"زائغًا مذمومًا" كما قال السعدي (الكامل، 2/69).

القاعدة النقدية: يقرر الحافظ ابن حجر قاعدة ذهبية في قبول رواية المبتدع، وهي ألا يكون الحديث الذي يرويه مما يؤيد بدعته ويشيدها؛ لأننا لا نأمن حينئذٍ غلبة الهوى (لسان الميزان، 1/11)، وهذه الرواية تخدم أصل مذهب أبان بن تغلب في النيل من الصحابة؛ لذا فهي مردودة عليه وإن كان صادقًا.

العلل في طبقة الرواة عن أبان بن تغلب

تفرع عن أبان بن تغلب رجلان، كلاهما لا ينهض بالرواية إلى درجة الاحتجاج:

الطريق الأول: أبان بن عبد الله البجلي: رجل مختلف فيه، وبينما وثقه البعض، ضعفّه النسائي في الضعفاء والمتروكين للنسائي (ص 15) ترجمة رقم (14) بقوله: "ليس بالقوي"، وذكره ابن حبان والعقيلي في الضعفاء (نثل النبال، 1/99)ـ وفي مثل هذه المقامات التي تتعلق بقدح في كبار الصحابة، يُقدم الجرح على التعديل صيانةً لجناب الشريعة.

الطريق الثاني: أبان بن عثمان الأحمر: وهو أشد ضعفًا، فقد قال عنه العقيلي بعد ذكر هذه الرواية: «ليس لهذا الحديث أصل» الضعفاء الكبير، (1/37). وذكر ابن حبان أنه "يخطئ ويهم" (الثقات، 8/131).

رواة متهمون ومتروكون في بقية الطرق

إذا تتبعنا بقية الأسانيد التي أوردت هذا الطعن في الصديق، سنجدها محشوة بالمتروكين والمجهولين:

إسماعيل بن مهران الكوفي: (ورد في تاريخ دمشق والجليس الصالح)؛ وهو رجل شيعي محترق، عده الطوسي والنجاشي من مصنفيهم، وقال عنه علماء الجرح والتعديل إنه متروك، وهو ما أكده الألباني بعدم معرفته به في الضعيفة (4/254) وترجمته في لسان الميزان (2/77) تثبت هويته ومذهبه. وانظر رجال النجاشي: (ص 26) ترجمة رقم (32)، فهرست الطوسي: (ص 41) ترجمة رقم (44).

محمد بن زكريا الغلابي: (ورد في رواية أبي نعيم والبيهقي)؛ وهو ممن اشتهر بوضع الحديث. قال عنه الدارقطني: «يضع الحديث» الضعفاء والمتروكون (484/485)، ووصفه البيهقي بأنه "متروك" (دلائل النبوة، 2/427). بل ونقل ابن عراق الكناني أنه أتى بحديث كذب في تزويج علي وفاطمة (تنزيه الشريعة، 1/105).

أحكام أئمة الشأن على الرواية

بناءً على ما تقدم من حال الرواة، أجمع جهابذة الحديث على نكارة هذه القصة وبطلانها:

الإمام العقيلي: نفى أن يكون لها أصل يثبت. (الضعفاء الكبير 1/37).

الإمام البيهقي: ضعّف طرقها وصرح بأن رواتها بين متروك ومجهول. (دلائل النبوة 2/427).

الحافظ ابن كثير: وصف سياق الرواية بأنه "أغرب من ذلك"، وهي إشارة واضحة إلى نكارة المتن وضعف السند (السيرة النبوية، 2/163).

إن تتبع الأسانيد يثبت بلا ريب أن القصة وليدة مطابخ الوضع التي استهدفت تشويه صورة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فما بين "شيعي جلد" يروي ما يوافق هواه، وبين "كذاب يضع الحديث" كالغلابي، تهاوت أركان الرواية ولم تقم لها قائمة أمام نقد العلماء؛ فبطل الاستدلال بها شرعًا وعقلًا.

ثالثًا: حقيقة تبسم النبي ﷺ (دفاع الملائكة لا رضا بالشتم)

إنَّ الثابت في السنة الصحيحة أنَّ النبي ﷺ قد يتبسم في مواقف السب، ولكن لسببٍ عظيم يجهله الرافضة، وهو تبسمُ "عجبٍ" من نصرة الله للصابرين، لا رضا بسبِّهم.

فقد روى الإمام أحمد في «المسند» (15/390) عن أبي هريرة: «أنَّ رجلًا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالسٌ، فجعل النبي يَعجبُ ويتبسم.. فلما ردَّ الصديق غضب النبي وقام، وقال: إنه كان معك مَلَكٌ يردُّ عنك، فلما رددتَ وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان».

فتبسم النبي ﷺ كان إعجابًا بدفاع الملك عن الصديق وهو صامت، ولما انتصر الصديق لنفسه غضب النبي وفارق المجلس. فهذا الحديث يقلب الشبهة منقبة؛ لأنه يثبت أنَّ الله سخر ملكًا ليدافع عن الصديق، فأين هذا من زعم الرافضة؟!

رابعًا: النهي عن تعيير الناس بأنسابهم (أخلاق الجاهلية)

وصف الرجل للصديق بأنه من "زمعات قريش" (أي رذالهم) هو من أمر الجاهلية الذي جاء الإسلام بهدمه، وزجر النبي ﷺ عنه بشدة.

ففي الصحيحين: عَنْ أَبِي ذَرٍّ أنه سابَّ رجلًا فعيَّره بِأُمِّه، فقال له النبي ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ».

فكيف يزجر النبي ﷺ أبا ذر عن التعيير بالأنساب، ثم يضحك ويتبسم لأعربي يُعيِّر الصديق بنسبه؟! إنَّ هذا تناقضٌ لا يصدر عن آحاد العقلاء، فكيف بسيد الخلق ﷺ؟ مما يقطع بأنَّ الرواية مكذوبة.

خامسًا: تَمَعُّر وجه النبي ﷺ دفاعًا عن الصديق

إنَّ السيرة المتواترة تثبت أنَّ النبي ﷺ كان يغضب أشد الغضب إذا أُذي الصديق أو نيل من قدره، بل كان يوجه الأمة كلها للكف عن أذاه.

فقد روى البخاري في «صحيحه» (5/5) في قصة الخلاف بين الصديق وعمر: «فجعل وجه النبي ﷺ يَتَمَعَّرُ (أي يتغير من الغضب) حتَّى أشفق أبو بكر.. فقال ﷺ: إنَّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق.. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟».

فالنبي ﷺ لم يكن يضحك لسب الصديق، بل كان يغضب حتى يظهر ذلك في وجهه الشريف، ويدافع عنه مبينًا فضله وسابقته. فمن يزعم الضحك عند سبه فقد كذّب صريح الصحيح.

سادساً: بل هم من نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم – وهو الصادق الأمين الذي حرّم الكذب والبهتان – أنه يأمر به صراحة!

أورد الكليني في الكافي بسندٍ صحيح عن دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): "إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ والْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ، والْقَوْلَ فِيهِمْ والْوَقِيعَةَ، وبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الإِسْلَامِ، ويَحْذَرَهُمُ النَّاسُ، ولَا يَتَعَلَّمُوا مِنْ بِدَعِهِمْ، يَكْتُبِ اللَّه لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ ويَرْفَعْ لَكُمْ بِه الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَةِ". الكافي -الكليني- ج2 / 375.

وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يأمر بالكذب أو يشرّع البهتان، بل هذا قلبٌ لرسالته وتشويهٌ لسيرته، وافتراءٌ عليه لا يليق بمقامه الكريم

الخلاصة:

بطلان السند: الرواية التي احتج بها الشيعة تالفة، وفي رواتها كذابون ووضاعون، وهي "مرسلة" لا تقوم بها حجة.

فساد المتن: يصور الحديث النبي ﷺ راضيًا بالسب والتعيير الجاهلي، وهو ما يتنزه عنه مقامه الشريف وتدفعه نصوص الزجر عن الجاهلية.

إثبات المنقبة: التبسم الثابت في الروايات الصحيحة كان بسبب دفاع الملائكة عن الصديق، وهو تشريف لأبي بكر لا تحقير له.

اقرأ أيضا| الاستدلال بحديث (مدينة العلم) على أفضلية علي بن أبي طالب في العلم

التواتر العملي: غضب النبي ﷺ لتمعر وجهه دفاعًا عن الصديق هو الأصل الثابت، وما خالفه من روايات موضوعة يُرمى بها عرض الحائط.


لتحميل الملف pdf

تعليقات