يزعم الشيعة أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يستحل لنفسه أموال المسلمين بغير حق، ويستدلون على ذلك بروايات يسيئون فهمها وتوجيهها؛ ومنها:
قوله عند احتضاره لعائشة رضي الله عنها: «يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة وهذا الحلاب وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب». [الداء والدواء لابن القيم، ص92].
زعمهم أنه أخذ من بيت المال ستة آلاف درهم بتشجيع من عمر رضي الله عنه. [علي إمامنا وأبو بكر إمامكم، لمحمد الرضي الرضوي، ص260].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: حق الحاكم في الكفاية نظير تفرغه لمصالح الأمة
من القواعد المقررة شرعًا وعقلًا أنَّ من انقطع لخدمة العامة وجب أن تُكفى حاجته من مالهم؛ ليتفرغ لأداء الأمانة الملقاة على عاتقه، فالحاكم أجير للأمة، وتوفير كفايته واجبٌ عليها لا تفضلٌ منها.
فقد جعل الله تعالى للعاملين على الصدقات سهمًا منها نظير عملهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60].
قال ابن كثير في تفسيره (2/216): «قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر حاجته.. والآية أباحت الأكلَ من غير بدل». وقال ابن جماعة في كتابه «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام» (ص122): «للسلطان أن يأخذَ من بيت المال كفايتَه اللائقة بحاله وأهله.. بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير».
ويُستفاد من هذه النصوص أنَّ ما حصل عليه الصديق كان "راتبًا" أو "كفاية" شرعية مقابل تفرغه التام لإدارة شؤون الدولة، وليس أخذًا بالباطل. فالعيب ليس في الأخذ، بل العيب فيمن يريد من الحاكم أن يدير إمبراطورية وهو يبحث عن لقمة عيشه في الأسواق، مما يعرض مصالح المسلمين للضياع.
ثانيًا: ورع الصديق وحرصه على الكسب من كد يده
لم يطلب الصديق رضي الله عنه المال رغبةً فيه، بل كان حريصًا على الاستمرار في مهنته الأصلية كتاجر، لولا أنَّ كبار الصحابة أدركوا أنَّ مصلحة الخلافة تقتضي تفرغه الكامل.
فقد روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/130) عن عطاء بن السائب قال: «لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتَّجِر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟! قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا: انطلق حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهم، ففرضوا له».
ويُؤخذ من هذا أنَّ الصديق رضي الله عنه كان يمارس مهنته حتى وهو خليفة، ولم يتركها إلا بمشورة وإلزام من أهل الحل والعقد (عمر وأبو عبيدة)، وهذا يقطع الطريق على من يدعي أنه استغل منصبه للثراء؛ فالرجل خرج بثيابه ليبيعها في السوق وهو "ملك" المسلمين! فأي نزاهة أسمى من هذه؟
ثالثًا: زهد الصديق وإرجاعه للأموال عند وفاته
تظهر حقيقة المعدن عند الرحيل؛ فالسارق يحرص على تأمين ورثته، أما الصديق رضي الله عنه فقد بلغ من ورعه أنه أراد ردَّ كل ما أخذه من بيت المال -رغم أنه حقه- زيادةً في براءة الذمة أمام الله.
فقد ذكر الطرطوشي في «سراج الملوك» (ص130) عن الحسن البصري: «لما حضرتْ أبا بكر الوفاةُ قال: انظروا كم أنفقت من مال الله، فوجدوه قد أنفق ثمانية آلاف درهم، قال: اقضوها عني، فقضوها عنه». وذكر ابن أبي شيبة في «المصنف» (7/15) تعقيب عمر رضي الله عنه على فعل الصديق ووصيته بالعباءة والعبد: «رحمةُ الله على أبي بكرٍ؛ لقد أتعب مَن بعده تعبًا شديدًا».
ويُستفاد من هذه الآثار أنَّ الصديق رضي الله عنه عاملَ بيت المال معاملة "القرض"، فردَّ ما أخذه من ماله الخاص عند موته. وهذا الفعل لا يصدر إلا عن نفسٍ بلغت الغاية في التقوى؛ فالشبهة التي يثيرها الرافضة هي في الحقيقة "شهادة براءة" للصديق، إذ كيف يُتهم بالسرقة من يوصي برد "عباءة" قديمة؟!
رابعًا: كمال سيرة الشيخين في حفظ مال المسلمين
إنَّ منهج الصديق في النزاهة كان هو الدستور الذي سار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مما يثبت أنَّ هذه كانت سمة عامة في دولتهم، وليست تصرفات فردية.
فقد روى البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (9/287) أنَّ عمر قال: «إني أنزلتُ نفسي من مال الله سبحانه بمنزلة وليِّ اليتيم؛ إن استغنيتُ استعففت، وإن افتقرت أَكلْتُ بالمعروف». وفي «تاريخ المدينة» (ص702) قوله لغلامه حين سقاه لبنًا من إبل الصدقة بالخطأ: «ويحك، تسقيني نارًا!»، واستحل ذلك اللبن من الناس.
ويُؤخذ من هذه النصوص أنَّ مدرسة الصديق والفاروق كانت تقوم على الحذر الشديد من درهم واحد يدخل جوفهم من مال المسلمين. فإذا كان عمر يرتعد من "شربة لبن" أو "ملعقة عسل" لم يستأذن فيها، فكيف يُصدق عاقل أنَّ أبا بكر كان يسرق الآلاف؟! إنَّ هذه السير العطرة ترد على الشبهة بذاتها وتكشف زيف مدعيها.
الخلاصة:
المشروعية الشرعية: ما أخذه الصديق هو كفاية الحاكم المقررة شرعًا نظير تفرغه، وقد تم ذلك بمشورة كبار الصحابة.
الورع المنقطع النظير: ردُّ الصديق للأموال عند وفاته ووصيته بردِّ العباءة والعبد هو قمة الزهد الذي لا يفعله إلا صديق، وهو ينفي صفة السرقة شرعًا وعقلًا.
تهافت الشبهة عقلًا: لو أراد الصديق السرقة -حاشاه- لأخذ الذهب والكنوز، لا عباءةً وحلابًا! فالرواية التي يستدلون بها هي في الحقيقة "صك براءة" ومنقبة كبرى تثبت نزاهته.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الصديق والفاروق ارتكبا كبيرة ولم يستغفر لهما النبي ﷺ
التناقض الرافضي: الشيعة يطعنون فيمن ردَّ العباءة لبيت المال، بينما يقدسون من يستحل "أخماس" أموال الناس بغير حق، وهذا من عجائب انتكاس الفطرة لديهم.
لتحميل الملف pdf