تستند هذه الشبهة إلى محاولة تصوير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمظهر المحارب للسُّنَّة النبوية، والمضطهد لمن ينقلها؛ وذلك من خلال الزعم بأنَّه كان يمنع الصحابة -وعلى رأسهم أبو هريرة- من التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والواقعُ أنَّ هذه الفرية تتجاهل الحقائق التاريخية، وتعتمد على روايات منقطعة، وتغفل عن السياسة الحكيمة التي اتبعها الفاروق لصيانة القرآن والحديث معًا.
فقد ادَّعى الشيعة أنَّه رضي الله عنه كان يمنع تدوين السُّنَّة، ويعاقب من يحدث بها، واحتجوا بما أورده ابن كثير حيث قال: «وقال أبو زرعة الدّمشقيّ: حدّثني محمّد بن زرعة الرّعينيّ، ثنا مروان بن محمّدٍ، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله، عن السّائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطَّاب يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لألحقنك بأرض دوسٍ، وقال لكعب الأحبار: لتتركنّ الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة.
قال أبو زرعة، وسمعت أبا مسهرٍ يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوًا منه ولم يسنده». [البداية والنهاية، ابن كثير، 8/ 115].
وزعموا أنَّ في هذا دليلًا صريحًا على أنَّ عمر يمنع أبا هريرة من التحديث، ويهدده بالنفي والضرب.
انظر: نهج الحق وكشف الصدق، الحلي، ص 285، الاستغاثة في بدع الثلاثة، علي بن أحمد الكوفي، 1/82، ألف سؤال وإشكال، علي الكوراني، 1/427، الخصال، الصدوق، ص 190.
الرد التفصيلي على الشبهة:
إنَّ المتأمل في الروايات والآثار التاريخية يجد أنَّ هذه الدعوى تفتقر إلى الصحة العلمية؛ حيث بنيت على أسانيد واهية وتفسيرات مغلوطة، وإليك البيان:
أولًا: بطلان الأثر من جهة الإسناد
يعتمد الطاعنون على رواية تزعم تهديد عمر لأبي هريرة، والحقيقةُ أنَّ هذا الأثر غيرُ صحيح، وقد ضعَّفه عالمهم المعلميُّ بقوله: «وسند الخبر غير صحيح، ولفظه في «البداية»: قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبد الله بن السائب..، إلخ. ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة، والمجهول لا تقوم به حجة، وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل ابن عبيد الله (بالتصغير) بن أبي المهاجر؛ فثقة معروف، لكن لا أدري أسمع من السائب أم لا؟ وفي «البداية» عقبه: (قال أبو زرعة: وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد ابن عبد العزيز نحوًا منه لم يسنده)، أقول: وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب، هذا ومخرج الخبر شامي، ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث ألبتة، ولا يشتهر ذلك في المدينة، ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة، ورووا عنه، وهم كثير كما يأتي، منهم ابن عمر وغيره، هذا باطل قطعًا». [الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 164].
ثانيًا: توجيه الحافظ ابن كثير وإثبات إذن عمر بالتحديث
لقد بيَّن صاحب المصدر نفسه، وهو الحافظ ابن كثير رضي الله عنه، المراد من هذا الأثر -بفرض صحته- علق قائلًا: «وهذا محمولٌ من عمر على أنَّه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وإن الرّجل إذا أكثر من الحديث ربّما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها النَّاس عنه أو نحو ذلك". [البداية والنهاية، ابن كثير، 8/115].
وقد ثبت بالدليل القاطع أنَّ عمر كان يأذن لأبي هريرة بالتحديث؛ فعن أبي هريرة قال: «بلغ عمر حديثي فأرسل إليّ، فقال: كنت معنا يوم كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلانٍ؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذٍ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)، قال: أمَّا إذًا فاذهب فحدث». [البداية والنهاية، ابن كثير، 8/115].
وفي تاريخ ابن عساكر أنَّ عمر قال لأبي هريرة بعد أن تأكد من صدقه وضبطه: «حدث الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم ما شئت». [تاريخ دمشق، ابن عساكر، 67/344-345].
ثالثًا: انقطاع رواية "شج الرأس" وعدم ثبوتها
يشغب الشيعة برواية يزعمون فيها أنَّ أبا هريرة خاف من عمر رضي الله عنهما، وهي رواية ابن عساكر عن محمد بن عجلان، أنَّ أبا هريرة كان يقول: «إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي». [تاريخ دمشق، ابن عساكر، 67/343].
والردُّ على ذلك أنَّ الخبر منقطعٌ غير صحيح؛ لأنَّ محمد بن عجلان لم يدرك أبا هريرة أصلًا؛ فأبا هريرة رضي الله عنه توفي سنة ستين أو قبلها بسنة كما ذكر الذهبي. [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 2/626].
أما محمد بن عجلان فقد ولد في خلافة عبد الملك بن مروان، أي بعد موت أبي هريرة بزمن طويل. [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 6/317].
رابعًا: الحكمة من سياسة إقلال الرواية
كان مذهب عمر رضي الله عنه هو إقلال الرواية في مرحلة معينة؛ ليس طعنًا في الصحابة، بل صيانةً للقرآن الكريم حتى لا ينشغل الناس عنه في بداية عهدهم بالوحي.
قال الذهبي: «كان عمر يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزجر غير واحدٍ من الصَّحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهبٌ لعمر وغيره". [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 1/40].
وقد أوضح عمر هذه الحكمة لقرظة بن كعب وأصحابه حين شيعهم قاصدين الكوفة فقال: «إنَّكم تأتون أهل قريةٍ لهم دويٌّ بالقرآن كَدَوِيِّ النَّحلِ فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرِّواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم". [الطبقات الكبرى، ابن سعد، 7/6].
خامسًا: مسارعة الصحابة للتحديث أمام عمر رضي الله عنه
ثبت أنَّ عمر رضي الله عنه كان يطلب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن، عن ثابت بن قيسٍ، أنَّ أبا هريرة قال: «أخذت النَّاس ريحٌ بطريق مكَّة، وعمر بن الخطَّاب حاجٌّ، فاشتدَّت عليهم، فقال عمر لمن حوله: من يحدّثنا عن الرّيح؟.. فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنّك سألت عن الرِّيح، وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ)". [مسند أحمد، 13/69].
فتأمل كيف يسارع أبو هريرة للتحديث أمام عمر؛ فلو كان يعلم نهيًا مطلقًا أو تهديدًا بالنفي لاتقاه على أقل تقدير؛ مما يثبت أنَّ النهي كان عن الإكثار الذي قد يشغل عن القرآن، لا عن أصل التحديث.
خامسًا: رواية عمر رضي الله عنه للسُّنَّة تنقض دعوى المنع
من أقوى الأدلة على بطلان فرية منع عمر للحديث هو كونه أحد الرواة المكثرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلو كان يرى منع التحديث لكان أولى الناس بالامتناع عن ذلك، والواقعُ أنَّ الأمة نقلت عنه ثروةً حديثيةً ضخمة.
يقول ابن الملقن في هذا الصدد: «روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم خمس مائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بواحد وعشرين". [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ابن الملقن، 1/142].
فكيف يُعقل أنَّ مَن يروي هذا العدد الضخم من الأحاديث ويحتج بها في قضائه وسياسته يمنع الناس من التحديث أو يهدد المحدثين؟!
سادسًا: نكارة متن الأثر ومخالفته لأحكام الهجرة
إنَّ المتأمل في متن الرواية التي احتج بها الخصوم يجد فيها نكارةً ظاهرة؛ إذ تتضمن أمرًا بمعصيةٍ لا يمكن للفاروق أن يأمر بها، ولا لأبي هريرة أن يطيع فيها؛ فالرواية تذكر تهديد أبي هريرة برده إلى "أرض دوس"، وهو أمرٌ ممتنعٌ شرعًا.
يقول المعلميُّ موضحًا هذا الوجه: «وأبو هريرة كان مهاجرًا من بلاد دوس، والمهاجر يحرم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها، فكيف يهدد عمر مهاجرًا أن يرده إلى البلد التي هاجر منها؟! وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة، كما في «فتوح البلدان» للبِلَاذُرِي؛ وبطبيعة الحال كان يعلمهم، ويفتيهم، ويحدثهم». [الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 165].
سابعًا: تناقض موقف الشيعة من صدق أبي هريرة رضي الله عنه
لنا هنا تساؤلٌ جوهري: ما الذي يزعج الطاعنين من مَنع عمر لأبي هريرة -بزعمهم- وهم يعتقدون أصلًا أنَّ أبا هريرة كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
أوليس من مقتضى معتقدهم أن يشكروا عمر على ذلك، لا أن يجعلوه مثلبةً عليه؟! ولكنَّ الغرض هو الطعنُ لمجرد الطعن.
وقد روى عالمهم الصدوق بسنده: «سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة -يقصد عائشة-». [كتاب الخصال، الصدوق، ص 190].
وهذه الفريةُ ساقطةٌ من ثلاث جهات:
1. جهة الإسناد: فهذا الخبر لا يصح عند الشيعة أنفسهم؛ لأنَّ في إسناده (جعفر بن محمد بن عمارة الكندي)، وهو مجهولٌ لا ذكر له بجرحٍ أو تعديل. [مستدركات علم الرجال، الشاهرودي، ص 290].
2. جهة المتن: لإجماع أمة الإسلام على عدالة وصِدق أبي هريرة رضي الله عنه؛ ومَن جرح مَن اتفقت الأمة على توثيقه فهو المجروح في دينه وعقله.
3. جهة البلاغ: قال تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ والحِكْمَةِ) والمقصود بالحكمة السنة، فهل يؤمر الكاذب بتبليغ ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بإلزام قرآني؟!
ثامنًا: كتمانُ السُّنَّة ومنعُ تدوينها عند أئمة الشيعة
الحقيقةُ التي تُثبتها كتب الشيعة هي أنَّ الكتمان والمنع كان ديدن أئمتهم؛ حيث تذكر رواياتهم أنَّ الشيعة ظلوا لقرونٍ يجهلون أبسط أحكام دينهم بسبب كتمان الأئمة للعلم.
روى عالمهم الكليني بسنده عن أبي عبد الله: "..، ثمَّ كان محمّد بن عليٍّ أبو جعفرٍ، وكانت الشِّيعة قبل أن يكون أبو جعفرٍ، وهم لا يعرفون مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم، حتَّى كان أبو جعفرٍ، ففتح لهم، وبيَّن لهم مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم". [الكافي، الكليني، 2/19-21].
بل جعلوا "كتمان الدين" أصلًا يُعزُّ الله به صاحبه؛ كما رووا في [الكافي، 2/222] أن أبا جعفر المعصوم قال: «يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله".
وهذا الكتمان أدى إلى اضطرابهم؛ حيث اعترف عالمهم محمد الباقر البهبودي بأنَّ أحاديث النص على الأئمة «كلها مصنوعة في عهد الغيبة والحيرة، وقبلها بقليل». [معرفة الحديث عند الشيعة الإمامية، البهبودي، ص 172].
ووصل الأمر برواتهم مثل زرارة بن أعين إلى حدِّ الهمِّ بحرق أحاديثهم لمجرد إنكاره لها؛ فقد روى الصفار أنَّ زرارة قال للباقر: «إنّ عندي منها شيئًا كثيرًا، قد هممت أن أوقد لها نارًا ثمَّ أحرقها». [بحار الأنوار، المجلسي، 25/282].
الخلاصة:
بعد هذا العرض المفصل، يخلصُ البحث إلى أنَّ دعوى منع الفاروق رضي الله عنه لتدوين السُّنَّة هي محضُ افتراءٍ تدفعه الحقائق التالية:
1. بطلان الروايات: أنَّ الآثار التي استندت إليها الشبهة إما ضعيفة الإسناد أو منقطعة أو منكرة المتن لمخالفتها أحكام الهجرة.
2. ثبوت الإذن: أنَّ عمر أذن لأبي هريرة رضي الله عنهما بالتحديث صراحةً بعد التثبت من حفظه؛ بل كان يستحثه على الرواية في مواقف عديدة.
3. فهم السياسة العمرية: أنَّ ما رُوي من إقلال التحديث كان سياسةً مؤقتةً تهدف إلى صون القرآن من الانشغال عنه بغيره في بداية الإسلام.
4. تفنيد التناقض: أنَّ الطاعنين يقعون في تناقضٍ صارخٍ حين يعيبون على عمر "منع الكاذب" -في نظرهم-؛ بينما يثبت في كتبهم أنَّ الكتمان الحقيقي والمنع الفعلي للعلم كان صفةً لازمةً لأئمتهم ومنهجًا متبعًا في تراثهم.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه توسَّل بذات العباس رضي الله عنه
وبهذا يظهر أنَّ الفاروق كان حارسًا للسُّنَّة، متمسكًا بآثار النبوة، وأنَّ ما يُثار حوله ليس إلا محاولةً يائسةً لضرب مصادر التشريع الإسلامي.
لتحميل الملف pdf