يدعي الطاعنون أنَّ الفاروق رضي الله عنه كفَر بقوله: (حسبنا كتاب الله) في "رزية الخميس"؛ زاعمين أنه ردَّ بها سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ومنع وصية علي رضي الله عنه.
قال عالمهم ابن جرير الطبري الشيعي: «ثم قال: حسبنا كتاب الله، وفي هذا القول كفر بالله العظيم؛ لأن الله جل ذكره يقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، فزعم عمر أنه لا حاجة له فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم". [المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب، ص 681].
ويقول التيجاني: «إن هذه المقولة..، مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم بالتمسك بكتاب الله وبالعترة معًا». [ثم اهتديت، ص 86].
الرد التفصيلي على الشبهة:
إنَّ قراءة هذه الواقعة بعين الإنصاف تكشفُ أنَّ فعل الفاروق كان محض اجتهادٍ نبيلٍ لحماية مقام النبوة من طعن المنافقين؛ وتأيد هذا الاجتهاد بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له بترك الكتابة.
أولًا: حقيقة قول عمر رضي الله عنه كـحسم للنزاع لا ردًا للنص
إنَّ قول عمر رضي الله عنه: (حسبنا كتاب الله) لم يكن موجهًا لرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل كان حَسمًا للخلاف الذي وقع بين الحاضرين حين لغطوا وارتفعت أصواتهم، وهذا ظاهرٌ من قوله: (عندكم كتاب الله)؛ فالمخاطب هم الصحابة الذين اختلفوا عنده.
وعمر رضي الله عنه من أشد الناس اتباعًا؛ ولكنه أراد الشفقة على النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه من شدة الوجع، فاستند إلى ما تقرر في القرآن من كمال الدين.
ثانيًا: عصمة التبليغ تبطل دعوى "المنع"
لو كان كتابة هذا الكتاب واجبًا شرعيًّا أو وحيًا يجب تبليغه، لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم تركه لمجرد اختلاف بعض الحاضرين؛ فالمقام مقام تبليغ، والرسول لا يترك البلاغ لمخالفة أحد، فلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة في ذلك المجلس، ولم يطلبه في الأيام الثلاثة التي عاشها بعدها؛ عُلم يقينًا أنَّ الأمر كان للإرشاد لا للوجوب، وهذا ما نصَّ عليه القاضي عياض والنووي وابن حجر. [فتح الباري لابن حجر، 8/134].
ثالثًا: حماية مقام النبوة من طعون المنافقين
كان دافع عمر رضي الله عنه هو الخشية من أن يكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا في تلك الحالة من شدة الوجع؛ فيتخذه المنافقون ذريعةً للطعن في صحة ما كُتب، ويدعون أنه قاله في حال غلبة المرض عليه. قال الخطابي: «خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه، وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق، فكان ذلك سبب توقف عمر». [فتح الباري لابن حجر، 8/134].
رابعًا: تهافت فرية الوصية وتناقض الطاعنين
يزعمون أنَّ عمر منع الكتابة ليمنع نص الخلافة لعلي؛ وهذا الادعاء باطلٌ جملةً وتفصيلًا؛ إذ لو كان النص على علي واجبًا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد قول عمر.
ثم إنَّ الطاعنين يزعمون أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على إمامة علي في غدير خم أمام الألوف نصًا جليًا؛ فما حاجته إذن لكتابٍ جديد؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي، فهو ضال باتفاق عامة الناس..، أما الشيعة..، فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًّا ظاهرًا معروفًا، وحينئذٍ فلم يكن يحتاج إلى كتاب". [منهاج السنة النبوية، 6/25-26].
خامسًا: سيرة عمر رضي الله عنه في تعظيم السُّنة ومحاربة الرأي
كيف يُتهم بإنكار السُّنة مَن كان يصف أصحاب الرأي بأنهم "أعداء السنن"؟ فقد ثبت عنه في غاية الصحة قوله: «أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم». [إعلام الموقعين لابن القيم، 1/43].
فمن يرى السُّنة أصلًا للحفظ والوعي لا يمكن أن يكتفي بالقرآن دونها.
سادسًا: شهادة عليٍّ لعمر رضي الله عنهما بإقامة السُّنة
مما يبطل الشبهة من جذورها أنَّ عليًّا رضي الله عنه نفسه أثنى على عمر رضي الله عنه في كتب الشيعة بأنه هو من أقام السُّنة.
جاء في «نهج البلاغة» في وصف عمر رضي الله عنه: «لله بلاء فلان؛ فلقد قوم الأود، وداوى العمد، وأقام السُّنة، وخلف الفتنة". [نهج البلاغة، ص 350].
وقد اعترف علماء الشيعة كالمرتضى وابن ميثم البحراني أنَّ المراد بفلان هو عمر؛ قال ابن ميثم: «والمنقول أن المراد بفلان عمر". [شرح نهج البلاغة، 4/87].
سابعًا: ورود نفس العبارة عن علي رضي الله عنه في كتبهم
لقد استخدم علي رضي الله عنه في "نهج البلاغة" عباراتٍ تؤكد الاكتفاء بالكتاب في مقام الحجة والخصومة؛ فهل سيحكمون عليه بالكفر أيضًا؟ جاء في الخطبة: «وكفى بالله منتقمًا ونصيرًا، وكفى بالكتاب حجيجًا وخصيمًا». [نهج البلاغة، ص 112].
وروى المجلسي: «وكفى بكتاب الله حجيجًا وخصيمًا». [بحار الأنوار، 74/441].
فإذا كانت "كفى بكتاب الله" عند علي هي منتهى الفضل؛ فلماذا تكون عند عمر رضي الله عنه كفرًا وجحودًا للسُّنة؟
الخلاصة:
1. قول عمر رضي الله عنه: (حسبنا كتاب الله) كان اجتهادًا شفيقًا للتخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لـعلمه أنَّ قواعد الشريعة قد تقررت في القرآن والوحي لا ينقطع بالاختلاف.
2. تركُ النبي صلى الله عليه وسلم للكتابة دليلٌ قطعيٌ على أنَّ الأمر كان للإرشاد لا للوجوب؛ وإلا لبلّغه رغمًا عن الجميع.
3. عمر رضي الله عنه هو أكثر الناس حربًا على أصحاب الرأي وتعظيمًا للسُّنة؛ كما ثبت في آثاره الصحيحة.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه توسَّل بذات العباس رضي الله عنه
4. بشهادة "نهج البلاغة"؛ فإنَّ عليًّا رضي الله عنه يرى أنَّ عمر رضي الله عنه هو الذي (أقام السُّنة)، واستخدم علي نفسه عبارة (كفى بكتاب الله)؛ مما يكشف زيف الطعن وتناقض الطاعنين.
لتحميل الملف pdf