أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ابتدع التكفير في الصلاة مشابهةً للمجوس

يدعي الطاعنون أنَّ وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة (القبض) هو بدعةٌ أحدثها عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ زاعمين أنه أخذها عن أسارى الفرس (المجوس).

يقول عالمهم محمد طاهر القمي الشيرازي: «وأبدع التكفير في الصلاة، وهو من فعل اليهود والنصارى». [الأربعين، ص 565].

ويقول صادق الشيرازي: «(التكتف) و(التكفير) الذي يفعله العامة اتباعًا لعمر بن الخطاب، وقد أخذه عمر عن المجوس فأدخله في الصلاة، وكان ذلك من مبتدعات عمر بعد ما لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أهل بيته ليفعلوا ذلك». [شرائع الإسلام مع تعليقات الشيرازي، 1/72].

الرد التفصيلي على الشبهة:

يسعى الشيعة من خلال هذه الشبهة إلى تصوير الفاروق رضي الله عنه بمظهر المبتدع الذي يُدخل في الصلاة ما ليس منها؛ والحقيقة أنَّ وضع اليد اليمنى على اليسرى هو سُنَّةٌ نبويةٌ ثابتةٌ بالأدلة الصحيحة، بل وموجودةٌ في بطون كتبهم هم.

أولًا: ثبوت وضع اليدين في السُّنة النبوية الصحيحة

إنَّ وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة هو هديٌ نبويٌّ أصيلٌ جاءت به الأحاديث الصحيحة؛ وهو من فعل الأنبياء عليهم السلام، وليس من اختراع الفاروق كما يزعم الجاهلون.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: «لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم». [صحيح البخاري، 1/259].

والآمر هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ الصحابي في مقام تعريف الشرع لا يحمل قوله: "كنا نؤمر" إلا على صاحب الشرع.

كما روى مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر رضي الله عنه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع». [صحيح مسلم، 1/301].

وفي مسند ابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا». [صحيح ابن حبان، 5/67].

فهذه النصوص تثبت أنَّ القبض هو سُنَّةُ الأنبياء وهديُ نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يُنسبُ لعمر رضي الله عنه ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أمام أصحابه؟!

ثانيًا: حقيقة مذهب الإمام مالك في مسألة القبض

يحتج القوم بأنَّ الإمام مالكًا كان يرسل يديه، ولو كان القبض سُنَّةً لما تركه؛ والواقع أنَّ علماء المذهب المالكي هم أعلم بمذهب إمامهم، وقد بينوا أنَّ مالكًا يرى سُنِّية القبض، ولكن روي عنه الإرسال لعللٍ فقهيةٍ لا تنفي أصل السُّنة.

يقول الباجي في «المنتقى»: «وأما موضع اليمنى على اليسرى في الصلاة فقد أسند عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحاح..، وقد اختلف الرواة عن مالك في وضع اليمنى على اليسرى، فروى أشهب عن مالك أنه قال: لا بأس بذلك في النافلة والفريضة». [المنتقى شرح الموطأ، 1/280].

ويقول ابن عبد البر: «وقد يرسل العالم يديه؛ ليري الناس أن ليس ذلك بحتم واجب». [التمهيد، 20/86].

فخلاصة مذهب الإمام مالك رضي الله عنه هي الاستحسان؛ وإنما كرهه في الفريضة عند بعض الرواة خشية أن يعتقد العوام وجوبه؛ وهذا من دقة فقه الأئمة في الحفاظ على مراتب الأحكام، وليس إنكارًا لأصل السُّنة الثابتة في "موطأ" مالك نفسه.

ثالثًا: تهافت التعليل بمشابهة المجوس أو أهل الكتاب

إنَّ الزعم بأنَّ كل ما وافق فعل أهل الكتاب أو المجوس يجب تركه هو زعمٌ باطلٌ يهدم كثيرًا من أصول الإسلام؛ فالاعتبار هو بما ثبت في شرعنا، سواء وافقهم أم خالفهم.

فاليهود يختتنون ويصومون ويؤمنون بموسى عليه السلام، وقريش كانت تطوف بالكعبة وتعظم البيت؛ فهل نترك هذه العبادات لأنَّ غيرنا يفعلها؟ الصواب أنه إذا ورد في شرعنا حكمٌ فوافقنا عليه غيرنا فلا نتركه؛ إذ النبي صلى الله عليه وسلم وجد اليهود يصومون عاشوراء فصامه وقال: «أنتم أحق بموسى منهم فصوموا». [صحيح البخاري، 4/1722].

فالحق لا يُترك لمجرد أنَّ المبطلين يفعلون صورته أو يوافقونه في أصله.

رابعًا: اعتراف كتب الشيعة بإباحة وضع اليدين في الصلاة

مما ينقض الشبهة من أساسها وجود رواياتٍ في مصادر الشيعة تبيح وضع اليد اليمنى على اليسرى؛ مما يثبت أنَّ المنع منه هو مذهبٌ متأخرٌ لا يمثل حقيقة هدي أهل البيت.

روى يوسف البحراني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له: أيضع الرجل يده على ذراعه في الصلاة؟ قال: لا بأس، إن بني إسرائيل كانوا إذا دخلوا في الصلاة دخلوا متماوتين كأنهم موتى، فأنزل الله على نبيه: (فخذ ما آتيتك بقوة)، فإذا دخلت الصلاة فادخل فيها بجلد وقوة». [الحدائق الناضرة، 9/16].

وعندما عجز البحراني عن رد هذا النص الصريح، زعم أنه خرج مخرج "التقية"؛ وهذه وسيلةٌ للهروب من كل نصٍ يوافق الحق. بل إنَّ الخوئي وهو من كبار علمائهم صرَّح قائلًا: «والمتحصل من جميع ما تقدم: أن التكتف في حد ذاته لا دليل على حرمته ولا مبطليته». [شرح العروة الوثقى، 15/426].

فإذا كان كبير علمائهم يرى عدم بطلان الصلاة به؛ فكيف يشنع هؤلاء بجعله من أفعال المجوس المبطِلة؟!

خامسًا: التناقض في إبطال الصلاة بالقبض وإباحتها بضم الجارية

من المضحك المبكي أنَّ هؤلاء يبطلون صلاة من يضع يده على صدره خضوعًا لله؛ في حين أنهم يصححون صلاة من يضم الجارية وهو قائمٌ يصلي!

يقول السبزواري: «في الصحيح عن مسمع قال: سألت أبا الحسن عليه السلام قلت: أكون أصلي فتمر بي الجارية فربما ضممتها إلي؟ قال: لا بأس». [ذخيرة المعاد، 2/356].

فهل صار "القبض" تشبهًا بالمجوس وبدعةً تبطل الصلاة، وصار "ضم الجواري" سُنَّةً لا بأس بها في الصلاة المكتوبة؟!

سادسًا: حقيقة العلاقة بين الشيعة والمجوس

إنَّ اتهام الفاروق بمشابهة المجوس هو من باب "رمتني بدائها وانسلت"؛ إذ إنَّ كتب القوم هي التي تفيض بمدح أكاسرة الفرس وتعظيم أعيادهم كالنيروز.

فقد روى المجلسي أنَّ علي بن أبي طالب عليه السلام خاطب جمجمة كسرى أنوشيروان، فقالت له الجمجمة: «إني كنت ملكًا عادلًا..، وأنا في النار والنار محرمة علي». [بحار الأنوار، 41/214].

فهم الذين زعموا أنَّ النار محرمةٌ على ملك المجوس؛ وهم الذين يعظمون أعيادهم؛ فمن هو الأقرب للمجوس: عمر الذي هدم ملكهم، أم الذين يقدسون ملوكهم ويحيون شعائرهم؟!

الخلاصة:

1.           وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة سُنَّةٌ نبويةٌ ثابتةٌ بالأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم، وهي هدي الأنبياء جميعًا.

2.           ادعاء أنَّ عمر رضي الله عنه أخذها عن المجوس كذبٌ مفضوحٌ؛ لأنَّ الأوامر النبوية بها سبقت فتح فارس والتعامل مع أسراهم بمراتب.

3.           كتب الشيعة المعتمدة تحتوي على رواياتٍ تبيح القبض، وكبار علمائهم كالخوئي لا يرون بطلان الصلاة به؛ مما يسقط دعوى الابتداع.

اقرأ أيضا|  زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه توسَّل بذات العباس رضي الله عنه

4.           التناقض الصارخ في تحريم القبض (لأنه تشبه بالمجوس بزعمهم) وإباحة ضم الجواري في الصلاة، مع تعظيمهم الصريح لملك المجوس وأعيادهم، يثبت أنَّ المسألة محض افتراءٍ.


لتحميل الملف pdf

تعليقات