مما يشنع به الشيعة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما ذكره البيهقي في سننه: «وروى الشافعي في كتاب القديم عن مسلم وسعيد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يؤم الناس إذ زلت يده على ذكره، فأشار إلى الناس أن امكثوا، ثم خرج فتوضأ، ثم رجع فأتم بهم ما بقي من الصلاة». [السنن الكبرى للبيهقي، 1/131].
فقالوا: كيف للخليفة، وهو يؤم الناس في صلاتهم، أن يعبث بذكره؟! .
انظر: الشافي في الإمامة (4/222)، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (3/27)، استخراج المرام من استقصاء الإفحام (3/305)
الرد التفصيلي على الشبهة:
يحاول الطاعنون استغلال الروايات الضعيفة لتصوير مواقف مكذوبة لا تليق بمقام الصحابة؛ والواقع أنَّ هذه الرواية ساقطةٌ من جهة الرواية، ومنزهةٌ عن سوء الفهم من جهة الدراية؛ بل إنَّ كتبهم تفيضُ بما هو أشنعُ من ذلك بمراتٍ كثيرة.
أولًا: بطلان الرواية من جهة الإسناد وعدم اتصالها
إنَّ الرواية التي اعتمد عليها الطاعنون لا تصحُّ من حيث القواعد العلمية للحديث؛ لوجود انقطاعٍ في سندها وجهالةٍ في رواتها؛ فلا تقوم بها حجةٌ في دينٍ ولا تاريخ.
فالسند فيه ابن جريج، وهو مدلسٌ وقد عنعن، والمدلس إذا لم يصرح بالسماع لا تقبل روايته؛ قال الذهبي: «الرجل في نفسه ثقة، حافظ، لكنه يدلس بلفظة: عن». [سير أعلام النبلاء، 6/332].
كما أنَّ ابن أبي مليكة لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصلًا؛ قال المزي: «ابن أبي مليكة، هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يرو عنه، وحديثه عنه مرسل». [تهذيب الكمال، 15/256].
بل إنَّ الرواية عند عبد الرزاق كشفت عن جهالة الراوي الأصلي؛ حيث قال ابن جريج: «سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث عمن لا أتهم أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم يصلي بالناس، حين بدأ في الصلاة، فزلت يده على ذكره، فأشار إلى الناس أن امكثوا، وذهب فتوضأ، ثم جاء فصلى، فقال له أبي: لعله وجد مذيًا، قال: لا أدري». [مصنف عبد الرزاق، 1/114].
فهنا يروي ابن أبي مليكة عن "شخص مجهول" لا يُعرف من هو؛ ورواية المجهول باطلة؛ قال ابن كثير: «فأما المبهم الذي لم يسم، أو من سمي ولم تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه». [الباعث الحثيث، ص 92].
ثانيًا: "زلة اليد" ليست عبثًا متعمدًا
لو سلمنا جدلًا بصحة الرواية، فإنَّ لفظها يبرئ الفاروق من تهمة العبث؛ فالرواية تقول: «زلت يده»، والزلة في اللغة هي الخطأ غير المقصود؛ وهذا يدل على أنه لم يتعمد فعل ذلك، بل كان أمرًا طارئًا عالجه بالخروج لإعادة الوضوء احتياطًا، فجعلُ الخطأ العارض "عبثًا" متعمدًا هو من باب التدليس الذي يمارسه الجاهلون بسياق اللغة وأحوال القدوة.
ثالثًا: جواز العبث بالذكر ومس الفرج في كتب الشيعة
من العجيب أن يستنكر الطاعنون روايةً ضعيفةً في حق الفاروق، بينما تشرعُ كتبهم ومصادرهم المعتمدة العبث بالذكر صراحةً للمصلي في صلاة الفريضة.
روى الحر العاملي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «قلت له: الرجل يعبث بذكره في صلاة المكتوبة. قال: وما له فعل؟ قلت: عبث به حتى مسه بيده، قال: لا بأس». [وسائل الشيعة للحر العاملي، 4/1276].
وروى أيضًا عن معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث بذكره في صلاة المكتوبة؟ فقال: لا بأس». [وسائل الشيعة للحر العاملي، 4/1276].
وروى الطوسي عن سماعة قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمس ذكره، أو فرجه، أو أسفل من ذلك، وهو قائم يصلى أيعيد وضوءه؟ فقال: لا بأس بذلك؛ إنما هو من جسده». [الاستبصار للطوسي، 1/88].
ويؤكد عالمهم علي الميلاني هذا المعنى بقوله: «ولا يتوهمن أحد الفرق بين العبث بالذكر في الصلاة الوارد في أخبار القوم، ومس الذكر في الصلاة الوارد في الاستبصار من كتبنا، فإن العبث هو اللعب والعمل بلا فائدة..، بل ليس مراد السائل من المس إلا العبث». [استخراج المرام لعلي الميلاني، 3/305].
فكيف ينكرون عليه (لو كان ثَبَت) ما أقروا جوزاه في كتبهم؟!
رابعًا: إباحة ضم الجارية أثناء الصلاة عندهم
تجاوزت كتب القوم مسألة العبث بالذكر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث أباحوا للمصلي أن يضم الجارية وهو قائمٌ يصلي الفريضة.
فقد أورد الحر العاملي بابًا بعنوان: [عدم بطلان الصلاة بضم المرأة المحللة، ورؤية وجهها، وعدم جواز نظر المرأة الأجنبية في الصلاة] وروى فيه عن مسمع قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: أكون أصلي، فتمر بي الجارية فربما ضممتها إلي، قال: لا بأس». [وسائل الشيعة للحر العاملي، 4/1272].
فأيهما أشد قبحًا وأشنع فعلًا؟ "زلة يد" لم تثبت سندًا، أم "ضم الجارية" الذي يفتي به أئمتهم وتصححه كتبهم؟!
الخلاصة:
1. الرواية التي تتهم الفاروق بالعبث بذكره ضعيفةٌ جدًّا؛ لسقوط السند بالانقطاع وجهالة الراوي المجهول.
2. لفظ الرواية بفرض صحتها يقول "زلت يده"، وهي حركةٌ غير مقصودةٍ؛ ومع ذلك خرج الفاروق لإعادة الوضوء تنزهًا.
3. كتب الشيعة المعتمدة تبيح صراحةً "العبث واللعب بالذكر" أثناء صلاة الفريضة، وتعتبره من جسد المصلي الذي لا ينقض الوضوء.
اقرأ أيضا| قصة مالك الدار في التوسل برسول الله ﷺ بعد موته
4. تبيح كتب القوم ما هو أشنع من ذلك، وهو ضم الجارية أثناء الصلاة؛ مما يجعل استنكارهم لشبهة الفاروق محض تناقضٍ طائفي لا يقوم على علم.
لتحميل الملف pdf