أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم ابتداع الفاروق رضي الله عنه صلاة التراويح

من مطاعن الشيعة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قولهم بأنه ابتدع صلاة التراويح، قال عالمهم السبزواري: «لنا اتفاق الأمة أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصل نافلة رمضان -التي يسمونها التراويح- جماعة مدة حياته ولا أصحابه مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فلما كانت خلافة عمر أمر بالجماعة فيها، والسنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لا يسنه يكون بدعة». [جامع الخلاف والوفاق، ص 119].

الرد التفصيلي على الشبهة:

يدعي هؤلاء أنَّ الفاروق رضي الله عنه هو من اخترع هذه الصلاة؛ زاعمين أنها لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك بهدف اتهام الفاروق بتغيير معالم الشريعة، متجاهلين الثوابت التاريخية التي تؤكد أنَّه لم يفعل إلا إحياء سُنَّةٍ نبويةٍ قائمة.

أولًا: أصل مشروعية صلاة التراويح جماعة في السُّنة النبوية

إنَّ الكلام لا يقع في أصل مشروعية صلاة النافلة في رمضان، فهي محل اتفاق؛ وإنما يقع في صلاتها جماعةً في المسجد، والحقيقة التاريخية تثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من فعل ذلك، ولم يتركها لعدم مشروعيتها، بل لعلةٍ عارضةٍ انتهت بوفاته.

عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلةً من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها». فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك (صحيح البخاري، 3/45).

فهذا النص يثبت بوضوح أنَّ الجماعة في التراويح سُنَّةٌ فعليةٌ من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنه لم ينكر على من صلى خلفه، بل بين أنَّ مانع الاستمرار هو الخشية من فرضيتها على الأمة؛ وهذا المانع زال بانقطاع الوحي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فرجع الأمر إلى أصله المستحب.

ثانيًا: دور عمر رضي الله عنه في إحياء السُّنة وتنظيمها

كان الناس بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يصلون التراويح في المسجد أوزاعًا متفرقين؛ فجاء عمل عمر رضي الله عنه تنظيمًا لهذا الشتات وجمعًا للأمة على إمامٍ واحدٍ، وهو ما يتوافق تمامًا مع مقاصد الشريعة في الاجتماع.

عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله» (صحيح البخاري، 3/45).

ويتبين من هذا أنَّ صلاة الجماعة كانت قائمةً بالفعل قبل جمع عمر رضي الله عنه للناس (يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط)؛ فالفاروق لم يخترع أصلًا جديدًا، وإنما وحَّد الجماعات المتفرقة على إمامٍ واحد.

أما وصفه لها بأنها "بدعة"؛ فهي تسمية لغوية لا شرعية؛ إذ البدعة في اللغة هي كل ما فُعل ابتداءً على غير مثالٍ سابقٍ قريب.

ثالثًا: اعتراف كتب الشيعة بمشروعية الجماعة في قيام رمضان

المفاجأة الكبرى تكمن في أنَّ كتب القوم المعتمدة تروي نصوصًا توافق ما عند أهل السُّنة في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والناس خلفه في ليالي رمضان؛ مما يسقط دعوى الابتداع العمرية من جذورها.

روى الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله يزيد في صلاته في شهر رمضان، إذا صلى العتمة صلى بعدها فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثم يخرج أيضًا فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مرارًا، قال: وقال: لا تصل بعد العتمة في غير شهر رمضان» (الكافي، 4/154).

وهذا النقل الذي وصفه المجلسي في «مرآة العقول» (16/378) بأنه "صحيح"؛ يثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وآله أقرَّ صلاة الناس خلفه في رمضان، وهذا عين ما تفعله الأمة اليوم في التراويح.

فإذا كان "المعصوم" عندهم يروي هذا الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبأي وجهٍ يطعنون في عمر رضي الله عنه لإحيائه ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم؟

رابعًا: تناقض الطاعنين في تشريع الصلوات المبتدعة

بينما يتباكى الطاعنون على "سُنَّة عمر رضي الله عنه" في التراويح، نجد أنَّ كتبهم مشحونة بصلواتٍ مخترعةٍ جماعيةٍ لا أصل لها في كتابٍ ولا سُنَّة؛ مما يثبت أنَّ المسألة عندهم ليست اتباعًا للنص، بل هي مجرد استهدافٍ لشخص الفاروق.

فقد روى الطوسي عن زيد بن علي عليهما السلام قال: «كان علي بن الحسين عليهما السلام يجمعنا جميعًا ليلة النصف من شعبان، ثم يجزئ الليل أجزاء ثلاثة فيصلي بنا جزءًا، ثم يدعو ونؤمن على دعائه، ثم يستغفر الله ونستغفره ونسأله الجنة حتى ينفجر الصبح» (مصباح المتهجد، ص 853).

فهم يشرعون الجماعة في ليلة النصف من شعبان، ولهم صلواتٌ مبتدعةٌ كصلاة الغدير والمبعث وزيارة الأئمة وصلاة الاستغاثة وغيرها؛ فكيف يستنكرون صلاةً سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرَّها أئمتهم في كتبهم؟

إنَّ هذا التناقض يكشف أنَّ إنكار التراويح ليس دينًا؛ وإنما هو هوًى محض.

الخلاصة:

1.           صلاة التراويح جماعةً في المسجد هي سُنَّةٌ نبويةٌ فعليةٌ، صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، ولم يتركها إلا خشية الفرضية على الأمة؛ وبوفاته زالت العلة وبقي الاستحباب.

2.           عمل عمر رضي الله عنه لم يكن ابتداعًا؛ وإنما كان تنظيمًا لإقامة هذه السُّنة وجمعًا للناس بعد أن كانوا يصلونها جماعاتٍ متفرقةً في المسجد.

3.           كتب الشيعة "الصحيحة" تروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي والناس خلفه في رمضان؛ مما يجعل إنكارهم للتراويح إنكارًا لما روته كتبهم عن نبيهم.

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يضع يده في دُبُر البعير

4.           تناقض القوم في تشريع صلواتٍ جماعيةٍ مبتدعةٍ في غير رمضان، وفي ليالي لم يثبت فيها نص، يثبت أنَّ طعنهم في الفاروق هو محض افتراءٍ وتناقضٍ لا يقوم على علمٍ ولا عقل.


لتحميل الملف pdf

تعليقات