أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم اتهام الفاروق للصديق بأنه آثم كاذب

تحاول الشيعة الطعن في الشيخين رضي الله عنهما من خلال رواية في (صحيح مسلم)، يزعمون فيها أن عليًّا والعباس رضي الله عنهما كانا يعتقدان في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما الكذب والإثم والغدر والخيانة، ويتخذون من هذا اللفظ حجةً لضرب عدالة الصحابة وهدم خلافة الشيخين.

يستدل عالمهم جعفر مرتضى العاملي بلفظ "كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا" الوارد في صحيح مسلم؛ لتقرير أن هذه هي نظرة علي والعباس الحقيقية لأبي بكر وعمر. [مأساة الزهراء، جعفر مرتضى العاملي، 2/184].

ويقول يحيى صباح بعد ذكر الرواية: «وهذه شهادة من عمر على علي والعباس بأنهما يريانه ويريانه صاحبه كاذبين آثمين غادرين خائنين». [لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟، يحيى صباح، 1/137].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إن بتر السياق وفهم الألفاظ بمعزل عن القرائن اللغوية والشرعية يؤدي إلى نتائج مقلوبة تمامًا؛ فالرواية في حقيقتها تنطق بفضل الشيخين وبراءة علي والعباس من هذه العقيدة، وإليك البيان:

أولًا: شهادة النبي وعلماء الشيعة بصدق الصديق والفاروق

الأصل الأصيل أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يفعلا في شأن الميراث إلا تنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو حكمٌ يقر به الشيعة في أمهات كتبهم. فقد روى الكليني في "صحيحة" أبي البختري عن الصادق عليه السلام قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنهم لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًا وافرًا» [الكافي، الكليني، 1/33].

 وقد صحح هذا النص عالمهم النراقي وغيره من مراجعهم [عوائد الأيام، النراقي، ص 463]. فإذا كان هذا هو حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمن عمل به فهو "صادق بار راشد" يقينًا بنص كلام المعصوم عندهم؛ لأن الصادق لا يصف من ينفذ حكم الأنبياء بالإثم أو الخيانة.

ثانيًا: اعتراف علماء الشيعة بسير الشيخين على نهج النبي صلى الله عليه وسلم

أقر كبار علماء الشيعة بأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يستأثرا بالأموال (كفدك وغيرها) لأنفسهم، بل عملوا فيها تمامًا كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعمل. يقول عالمهم ميثم البحراني: «إن أبا بكر كان يطبق ما وعد به فاطمة رضوان الله عليها..؛ حيث ذكروا أن أبا بكر كان يأخذ غلتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، فكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان عليٌّ كذلك» [شرح النهج، ميثم البحراني، 5/107].

فهذا اعتراف صريح بأن الشيخين لم يغيرا ولم يبدلا؛ فمن زعم أن من عمل عمل النبي "خائن" أو "آثم" فقد رجع الطعن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا محالة؛ وحاشاه.

ثالثًا: موقف علي رضي الله عنه في خلافته يبرئ الشيخين

لو كان فعل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ظلمًا وخيانةً كما يزعم الشيعة؛ لكان من الواجب على علي رضي الله عنه رد "فدك" لورثة فاطمة حينما آلت إليه الخلافة وصار هو الحاكم. ولكن الثابت يقينًا أنه لم يغير فيها شيئًا واستمر على نهج الشيخين؛ وقد حاول علماء الشيعة الهروب من هذا التناقض بتعليل متهافت؛ حيث قال الصدوق إن عليًّا لم يسترجعها لأننا «أهل البيت لا نأخذ حقوقنا ممن ظلمنا» [علل الشرائع، الصدوق، 1/155].

وهذا الكلام عين التناقض؛ لأنه يقتضي أن فاطمة عليها السلام قد خالفت منهج أهل البيت بمطالبتها بحقها من أبي بكر!

والحق أن عليًّا لم يغير فيها شيئًا لأنه رآها "حقًا وصوابًا" وافق فيه أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

رابعًا: القرائن اللغوية والسياقية (الاستفهام الإنكاري)

إن كلام عمر رضي الله عنه خرج مخرج "الاستفهام الإنكاري"؛ وهو أسلوب فصيح في لغة العرب وفي القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: {أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34].

فتقدير كلام عمر رضي الله عنه هو: "أفرأيتماه كاذبًا؟" أي: هل يُعقل أن تظنا به ذلك وهو الذي يطبق قول النبي؟ والدليل على ذلك قرائن واضحة من نص الرواية نفسها:

1.            مناشدة عمر رضي الله عنه لعلي والعباس بالله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا نورث"، فأقرا بذلك وقالا: "نعم"؛ فكيف يريانه كاذبًا في حديثٍ هما أول من يصدقه؟

2.            قول عمر رضي الله عنه عن نفسه وعن أبي بكر: «لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ»؛ وتصديق علي والعباس له على ذلك.

3.            تسليم عمر رضي الله عنه إدارة الصدقة لهما؛ فكيف يسلم "خائن" مالًا لـ "من يراه خائنًا"؟ وكيف يقبل علي والعباس ولايةً من رجلٍ يصفانه بهذه الأوصاف؟ فهذا يدل على أن الأوصاف كانت للاستنكار لا للتقرير.

خامسًا: تناقض الشيعة في قبول الطعون بين أصحابهم وبيت علي

من العجيب أن يتشبث الشيعة بلفظٍ فُهم بغير وجهه في كتب السنة؛ في حين تغصُّ كتبهم بشتائم ولعنات صريحة وجهت لأقرب أصحاب علي ولأبنائه؛ ومن ذلك:

1.            لعن الأصبغ بن نباتة: وهو من أوثق أصحاب علي؛ ومع ذلك روى عالمهم في كتاب (العوالم) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «..، بئس الخلف خلفتني أنت وأصحابك، عليكم لعنة الله ولعنتي» [العوالم، ص 50].

2.            تكفير الحسن لعبد الله بن علي: حيث قال له: «لعنك الله من كافر»؛ وقد عجز المجلسي عن توجيه هذا الطعن الصريح [بحار الأنوار، المجلسي، 13/307].

3.            اتهام محمد بن الحنفية بالفاحشة: كما ورد في رواية الكليني عن إقامة الحد التي انصرف فيها محمد بن علي؛ مما يرميه بوقوع الحد عليه [الكافي، الكليني، 7/188].

سادسًا: بطلان إمامة علي رضي الله عنه بناءً على هذه الشبهة

إن إصرار الشيعة على أن عليًّا رضي الله عنه كان يرى عمر "طاغوتًا خائنًا" ينسف مذهبهم من الأساس؛ فالمقرر عند الشيعة أن من تحاكم إلى "طاغوت" فقد أخذ سُحتًا وكفر. جاء في (الكافي) بإسناد موثق: «مَن تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سُحْتًا..؛ لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به» [الكافي، الكليني، 7/412].

فلو كان علي رضي الله عنه يرى عمر بتلك الأوصاف؛ لما جاز له التحاكم إليه أبدًا؛ فإما أن عليًّا لم يعتقد ذلك (وهو الصواب)، وإما أن الشيعة ينسبون لعلي مخالفة صريحة لدينه وعصمته.

سابعًا: ميزان الحق والباطل (عدم العصمة)

لو تنزلنا جدلًا وقلنا إن عليًّا والعباس رضي الله عنهما وقع في نفوسهما شيءٌ تجاه الصديق في لحظة نزاع؛ فإنهما ليسا بمعصومين عندنا؛ بينما الصديق رضي الله عنه قد ثبتت عدالته بنصوص الوحي وإجماع الصحابة. فإذا تعارض "ظنُّ" فردين (مهما عَلَتْ منزلتهما) مع "يقين" فعلِ خليفةٍ راشدٍ متبع للحق؛ قُدِّم اليقين، وصار القادح هو المخطئ؛ مع حفظ قدر الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.

الخلاصة:

1.            الأوصاف التي ذكرها عمر رضي الله عنه جاءت في سياق الاستفهام الإنكاري والاستنكار، وليست تقريرًا لرأي علي والعباس؛ بدليل إقرارهما بصدق الحديث النبوي.

2.            سيرة علي رضي الله عنه في خلافته هي المطابق التام لسيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في أموال الصدقة، وهذا أكبر دليل عملي على رضاه بفعلهما.

3.            تحاكم علي والعباس للفاروق ينسف دعوى كونهما يريانه خائنًا؛ إذ لا يتحاكم المؤمن لمن يراه عدوًا لله ولرسوله (طاغوتًا).

4.            اعتراف مراجع الشيعة بأن الشيخين لم يغيرا في مصارف الأموال عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم يقطع دابر القول بالخيانة أو الإثم.

اقرأ أيضا| زعمهم ترك الصديق للشورى باستخلافه الفاروقَ بعدَه

5.            الشبهة مبنية على جهل بلغة العرب، وتناقض صارخ في قبول الروايات التي تعج بها كتب القوم في حق أصحابهم وأهل بيتهم.


لتحميل الملف pdf

تعليقات