يزعم الشيعة أن علي بن أبي طالب رفض السير بسيرة الشيخين (أبي بكر وعمر) أثناء انعقاد الشورى بعد وفاة عمر بن الخطاب، ويستدلون على ذلك بما رواه الإمام أحمد (1/560) أن عبد الرحمن بن عوف قال لعلي: «أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله، وسيرة أبي بكر وعمر.
فقال: فيما استطعت»، بينما قبلها عثمان بن عفان، ويرون في هذا الرد دليلًا على عدم ارتضائه لسيرتهما. (الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (3/269)، تلخيص الشافي، الطوسي (3/215).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: ضعف الرواية من ناحية الإسناد
هذه الرواية لا تصح من حيث الإسناد؛ ففي سندها سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو ضعيف جدًا عند علماء الحديث.
قال النسائي: «ليس بشيء". (الضعفاء والمتروكون، ص55).
قال أبو زرعة: «كان يتهم بالكذب». (المغني في الضعفاء، الذهبي، 1/269).
قال ابن حبان: «استحق الترك لإصراره على ما لُقِّن". (الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 2/4).
ثانيًا: التوجيه العلمي للرواية (بفرض صحتها)
لو سلمنا جدلًا بصحة الرواية، فلا مطعن فيها؛ لأن الامتناع لم يكن رفضًا لسيرة الشيخين، بل رفضًا لمبدأ "التقليد في الاجتهاد":
رفض التقليد لا السيرة: كان علي بن أبي طالب مجتهدًا مطلقًا، والشيخان كانا يجتهدان، وعمر خالف أبا بكر في مسائل (كالمفاضلة في العطاء)، فكيف يُلزم عليٌّ بتقليد غيره وهو يرى نفسه أهلًا للاجتهاد؟ فقوله "فيما استطعت" يعني التزامي بالعدل وليس التقليد الحرفي في المسائل الخلافية.
الاتفاق على الأصول: لم يشك عبد الرحمن بن عوف في أن عليًّا سيسير بالعدل والإنصاف، وإنما أراد التأكيد وتطييب قلوب الناس، فكان عثمان يرى جواز التقليد، بينما رأى عليٌّ أن واجبه اتباع اجتهاده الشخصي، وكلاهما مصيب في نظره. (خلافة عثمان بن عفان، د. مصطفى حلمي، ص4).
ثالثًا: ثبوت مدح علي بن أبي طالب للشيخين في كتب السنة
الثابت يقينًا أن علي بن أبي طالب كان يرى أبا بكر وعمر خير الأمة، ومن يراهما كذلك لا يرفض السير بسيرتهما.
في صحيح البخاري: سأل محمد بن الحنفية أباه (علي بن أبي طالب): أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: «أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر". (صحيح البخاري، 5/7).
في فضائل الصحابة: قال علي بن أبي طالب: «إن يُرِدِ اللهُ بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (يقصد الصديق)». (فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، 1/404).
رابعًا: إقرار علماء الشيعة بسيره على نهجهما
اعترف أكابر علماء الشيعة ومحققوهم أن علي بن أبي طالب حين ملك الأمر لم يغير شيئًا من أحكام ومنهج من سبقه:
الشريف المرتضى: «وأما إقراره أحكام القوم لما صار الأمر إليه فالسبب فيه واضح، وهو استمرار التقية". (الذخيرة في علم الكلام، ص478).
مرتضى العسكري: «تدلنا هذه الروايات أن الإمام عليًا لم يغير شيئًا مما فعلوه قبله في الخمس وتركة الرسول". (معالم المدرستين، 2/158).
محمد الشيرازي: «أما قولك بأن عليًا حيث لم يردَّ فدكًا فقد أمضى حكم الخليفة.. لأنه ما تمكن أن يغير ما ابتدعه الخلفاء قبله». (ليالي بيشاور، 1/811).
الإلزام: إذا كان علي بن أبي طالب لم يغير "شيئًا" طيلة سنوات حكمه، فهذا دليل عملي على رضاه بتلك السيرة، ودعوى "التقية" هنا باطلة؛ لأنه كان الحاكم والمبايَع وصاحب القوة، فكيف يخشى الناس في دين الله؟
خامسًا: التناقض الصارخ في سير "المهدي المنتظر"
بينما يشنعون على علي بن أبي طالب (بزعمهم) رفض سيرة الشيخين، يروون في كتبهم أن مهديهم سيرفض سيرة النبي ﷺ وسيرة علي بن أبي طالب نفسه!
رفض سيرة النبي ﷺ: روى النعماني عن الباقر أنه سئل: أيسير القائم بسيرة محمد ﷺ؟ قال: «هيهات هيهات.. ما يسير بسيرته.. القائم يسير بالقتل». (غيبة النعماني، 1/231).
رفض سيرة علي بن أبي طالب: سُئل الصادق: أيسير القائم بخلاف سيرة علي؟ قال: «نعم، علي سار بالمن والكف، والقائم يسير بالسيف والسبي». (غيبة النعماني، 1/232).
الإتيان بدين جديد: «يهدم ما قبله كما صنع رسول الله، ويستأنف الإسلام جديدًا». (غيبة النعماني، 1/233).
ومن كلامهم يستبين التالي:
إلزام الاتباع: إذا كان علي بن أبي طالب قد سار بسيرة من قبله في الأموال والقضاء والجهاد، ولم يغير حرفًا واحدًا؛ فإما أنه كان راضيًا (وهذا يبطل مذهب الشيعة)، وإما أنه كان مداهنًا (وهذا يقدح في شجاعته وأمانته)، والحق أنه سار بسيرتهم لأنها سيرة الحق.
إلزام التناقض العقدي: كيف تستنكرون (زوارًا) رفض سيرة الشيخين، وتؤمنون بعقيدة تقرر أن "المهدي" سيهدم سيرة النبي ﷺ ويأتي بدين جديد؟ هذا قلب للموازين وازدواجية في الاستدلال.
إلزام التقية: ادعاء أن علي بن أبي طالب سار بسيرتهما "تقية" هو أعظم إهانة له؛ إذ يعني أنه حكم المسلمين سنوات بغير ما أنزل الله خوفًا من الناس، وهذا لا يقوله من يعظم أمير المؤمنين.
الخلاصة:
رواية رفض علي بن أبي طالب للسيرة في الشورى ضعيفة سندًا، ولو صحت فهي رفض للتقليد الفقهي لا للمنهج السوي.
ثبت بالدليل القطعي في كتب الفريقين أن علي بن أبي طالب أمضى أحكام الصديق والفاروق وعمل بها ومدحهما على المنابر.
اعتراف علماء الشيعة بأن علي بن أبي طالب لم يغير شيئًا من سنن الخلفاء قبله ينسف دعوى مخالفته لهم.
اقرأ أيضا| دعوى تأخر بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما
الروايات الشيعية التي تقرر أن "المهدي" سيخالف سيرة النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب، تجعل من شبهتهم حول "السيرة" سلاحًا يرتد إلى صدورهم.
لتحميل الملف pdf