يدعي الشيعة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خالف نهج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبينما يزعم أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمر شورى، قام أبو بكر بتعيين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصًّا واستخلافًا، معتبرين ذلك تناقضًا ومخالفة لمبدأ الشورى.
يقول كاتبهم يحيى صباح: «ليت شعري! هل كان أبو بكر أكثر حرصًا على مصلحة المسلمين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال لعثمان: "أراك خفت أن يختلف الناس إن متُّ في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وأهله"؟ ثم لماذا لم يلتزم أبو بكر بسياسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما رحل عن هذه الحياة وترك الأمر شورى، كما يدعي السنة؟» [لماذا أهل البيت وليس غيرهم؟، يحيى صباح، 1/137].
الرد التفصيلي على الشبهة:
إن دعوى استبداد الصديق رضي الله عنه بالأمر ووضعه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه دون شورى هي دعوى ساقطة تاريخًا وشرعًا؛ فالاستخلاف في الإسلام ليس تنصيبًا قهريًّا، بل هو ترشيح لا يتم إلا برضا الأمة وبيعتها، وإليك التفصيل:
أولًا: مفهوم الاستخلاف والبيعة عند أهل السنة
الخلافة في دين الإسلام لا تنعقد بمجرد قول الخليفة السابق: "فلان بعدي"، بل لا بد من بيعة أهل الحل والعقد ورضا جمهور المسلمين؛ فعهد الخليفة هو مجرد "ترشيح" واقتراح لشخص يراه كفؤًا، والأمة لها الكلمة الفصل.
جاء في كتاب (مغني المحتاج): «وَتَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِالْبَيْعَةِ، وَالْأَصَحُّ بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ..، وَبِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ» [مغني المحتاج، الخطيب الشربيني، 5/421-424].
ويؤكد أبو يعلى الفراء أن العهد ليس عقدًا قطعيًّا للإمامة، بل هو إرشاد، حيث قال: «لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين» [الأحكام السلطانية، أبو يعلى الفراء، ص 25].
إن هذا الأصل (بأن الإمامة عهدٌ من المسلمين ورضا منهم) هو قولٌ مقررٌ ومبثوثٌ عند جمهور علماء الأمة ومحققيهم، ويمكنك مراجعة المزيد من التفصيل والـتأكيد في المصادر التالية:
• الإمام الجويني في "غياث الأمم": أكد على أن استخلاف الإمام لمن بعده لا ينفذ إلا برضا أهل الحل والعقد، معتبرًا العهد "تزكية" و"تقديمًا" يتوقف تمامه على قبول الأمة. [غياث الأمم في التياث الظلم، إمام الحرمين الجويني، ص 65].
• الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية": حيث ذكر أن بيعة الأمة هي التي تمنح الإمام حق التصرف والولاية، والعهد إنما هو تمهيد لهذا العقد. [الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الماوردي، ص 14].
• الإمام أحمد بن حنبل في رواية حمدان بن علي: صرح بأن الإمامة إنما ثبتت لعثمان رضي الله عنه بإجماع ذوي الشوكة والقدرة على مبايعته، فلو انفرد أحدهم بالبيعة دون موافقة البقية لما صار إمامًا. [الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه، 13/29].
• الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "ابن حنبل": أوضح بأسلوب سهل أن اختيار الخليفة السابق لخلَفه لا يعدو أن يكون اقتراحًا من ناصح مخلص للأمة، وللجماهير حق إقرار هذا الاختيار أو رده. [ابن حنبل حياته وعصره، آراؤه وفقهه، محمد أبو زهرة، ص 149].
• المستشار عبد الوهاب خلاف في "السياسة الشرعية": أكد على أن الأمة هي صاحبة القول الفصل، وأن استخلاف الصديق لعمر رضي الله عنهما سبقه تشاور طويل مع كبار الصحابة، ولم يكن فرضًا بالقوة. [السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية، عبد الوهاب خلاف، ص 64].
• الدكتور محمد يوسف موسى في "نظام الحكم": شدد على أن التولية لا تكون إلا بالبيعة وحدها، وأن العهد لواحد لا يكون له أثر إلا بالبيعة العامة. [نظام الحكم في الإسلام، محمد يوسف موسى، ص 119].
ثانيًا: عمر رضي الله عنه صار خليفة ببيعة الناس لا بمجرد العهد
لم يستلم الفاروق رضي الله عنه السلطة بمجرد وصية الصديق، بل ببيعة عامة من الصحابة والناس بعد وفاة أبي بكر؛ فلو رفض الناس عهد أبي بكر لما صار عمر إمامًا.
يقول ابن تيمية: «وَكَذَلِكَ عُمَرُ لَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، إِنَّمَا صَارَ إِمَامًا لَمَّا بَايَعُوهُ وَأَطَاعُوهُ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْفِذُوا عَهْدَ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا..، وَإِنَّمَا صَارَ إِمَامًا بِمُبَايَعَةِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْقُدْرَةِ وَالشَّوْكَةِ» [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 1/530].
ثالثًا: الصديق مارس الشورى قبل العهد للفاروق
تثبت الروايات الصحيحة أن أبا بكر رضي الله عنه لم يتخذ قرار استخلاف عمر منفردًا، بل استشار كبار الصحابة واحدًا تلو الآخر حتى اطمأن لرضاهم.
1. استشارة عبد الرحمن بن عوف: سأله الصديق عن عمر، فقال: «هو والله أفضل من رأيك فيه» [أسد الغابة، ابن الأثير، 4/156].
2. استشارة عثمان بن عفان: قال عثمان: «اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله» [المصدر السابق].
3. مشاورة عموم الناس: أشرف الصديق على الناس وهو مريض وقال: «أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا» [تاريخ الطبري، 3/428].
رابعًا: شهادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالشورى والرضا
المفاجأة لمن يثيرون هذه الشبهة هي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من أشد المؤيدين لاستخلاف عمر، بل عارض أن يكون الخليفة غيره لعلمه بفضله وقوته في دين الله.
• روى ابن عساكر عن سيار أبي حمزة قال: «لما ثقل أبو بكر الصديق أشرف على الناس من كوَّةٍ، ثم قال: أيها الناس، إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقام الناس فقالوا: قد رضينَا، فقام علي بن أبي طالب فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر بن الخطاب، قال: فإنه عمر» [تاريخ دمشق، ابن عساكر، 44/253].
• بل إن عليًّا رضي الله عنه نفسه احتج بالشورى والبيعة في "نهج البلاغة" قائلًا: «إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْر وَعُمَرَ وَعُثْمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ، وَلَا لِلغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ» [نهج البلاغة، الشريف الرضي، 1/587].
خامسًا: حكمة الاستخلاف (درء الفتنة)
كان الصديق رضي الله عنه يخشى على الأمة من الاختلاف والفرقة إذا تركهم دون ترشيح لمن يجمعهم، خاصة وأن عهد الردة كان قريبًا؛ فكان فعله هو غاية الحرص والشفقة على المسلمين، وهو ما أقره علماء الإسلام كابن خلدون وابن حزم، معتبرين أن العهد وسيلة لرفع الاختلاف وانتظام أمر الإسلام [تاريخ ابن خلدون، 1/262؛ الفصل، ابن حزم، 4/131].
الخلاصة:
1. خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم تتم بمجرد "نص" أبي بكر، بل ببيعة الأمة ورضاها التام؛ فالعهد ترشيح والبيعة تنصيب.
2. الصديق رضي الله عنه لم يترك الشورى، بل مارسها في أسمى صورها باستشارة كبار المهاجرين والأنصار قبل كتابة العهد، ثم عرض الأمر على عامة الناس في المسجد فأقروا ورضوا.
3. علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان حاضرًا وموافقًا، بل صرح في الروايات وبحسب ما ورد في المصادر أنه لا يرضى إلا بعمر، واحتج لاحقًا –كما في مصادرهم- بصحة شورى المهاجرين والأنصار التي أفضت لبيعة الخلفاء قبله.
4. فعل الصديق يهدف لجمع الكلمة ودرء الفتنة، وهو اجتهاد وافق عليه مجموع الصحابة ولم ينكره أحد منهم، مما يجعله إجماعًا سكوتيًا وعمليًا قطعيًا.
اقرأ أيضا| زعمهم جهل الصديق رضي الله عنه معنى "الأَبِّ"
5. ادعاء "التكالب على الخلافة" يبطله زهد عمر رضي الله عنه حين طُعن ورفضه استخلاف ابنه عبد الله قائلًا: «حسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد» [تاريخ الطبري، 4/228].
لتحميل الملف pdf