زعم الشيعة أن أهل السنة متناقضون في إثبات خلافة أبي بكر الصديق؛ فبعضهم يقول إنها ثبتت بـ"النص" (أي بتعيين من النبي ﷺ)، وبعضهم يقول إنها ثبتت بـ"الشورى" واختيار الصحابة.
ويرون أن هذا التنوع يعد تناقضًا يبطل شرعية الخلافة، ويتساءلون: إذا كانت بالشورى، فكيف تسمونه "خليفة رسول الله" وهو لم يستخلفه؟
انظر: الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (2/325)، تلخيص الشافي، الطوسي (2/148)، منهاج الكرامة، الحلي (ص120).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: مفهوم "الخليفة" في اللغة والشرع
كلمة "الخليفة" في لغة العرب تطلق على من جاء بعد غيره وقام مقامه، سواء كان ذلك بنص مباشر أو باختيار الرعية، وقد بيّن عالمهم "الشريف المرتضى" أن الإجماع انعقد على تسميته بذلك وسيأتي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا هذا المعنى:
«وَالْخَلِيفَةُ لَا يَكُونُ خَلِيفَةً إِلَّا مَعَ مَغِيبِ الْمُسْتَخْلِفِ، أَوْ مَوْتِهِ، وَلِهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ يَسْتَخْلِفُ أَحَدًا عَنْهُ، فَإِنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ اللهِ. قَالَ: لَسْتُ خَلِيفَةَ اللهِ، بل خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ، وَحَسْبِي ذَلِكَ. وَاللهُ تَعَالَى يُوصَفُ بِأَنَّهُ يَخْلُفُ الْعَبْدَ، كَمَا قَالَ ﷺ: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل"، وقال في حديث الدجال: "والله خليفتي على كل مسلم"، وكل من وصفه الله بالخلافة في القرآن فهو خليفة عن مخلوق كان قبله، كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: 14]، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69]، ﴿وَلَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55]، وكذلك قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، أي: عن خلق كان في الأرض قبل ذلك، كما ذكر المفسرون، وغيرهم". (عزو النص: منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 7/352) بتصرف.
ثانيًا: تكامل الأدلة وتنوعها (بين النص والشورى)
خلافة الصديق -رضي الله عنه- من قوة أدلتها أنها ثبتت بالنص (على اختلاف في كونه جليًّا أو خفيًّا)، وثبتت كذلك باختيار الصحابة وإجماعهم.
وهذا التنوع في الأدلة دليل قوة وصحة، فكلما كان الأمر من "المسلمات" كالتوحيد أو النبوة، وجدت أدلته متنوعة بين القرآن والسنة والعقل والإجماع.
أدلة خلافة الصديق:
من القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55]، وهذا التمكين تحقق يقينًا في خلافة أبي بكر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: 16]. قال القرطبي: «فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَعُمَرَ دَعَاهُمْ إِلَى قِتَالِ فَارِسَ وَالرُّومِ..، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». (تفسير القرطبي، 16/272).
من السنة النبوية:
قوله ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ». (صحيح مسلم، 7/110).
قوله ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ». (سنن الترمذي، 3662).
تقديمه للصلاة (الإمامة الصغرى) كإشارة لاستحقاقه (الإمامة الكبرى): «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». (صحيح البخاري، 1/236).
ثالثًا: إجماع الصحابة والجمهور من واقع كتب الشيعة
لقد أقر علماء الشيعة الأوائل والمصنفون عندهم بوقوع الإجماع والرضا العام بخلافة الصديق، مما ينسف دعوى التنازع.
قال عالمهم الشريف المرتضى: «وإنما توجه لهم من قهرهم الأنصار ما توجه أن الإجماع قد انعقد على البيعة، وأن الرضا وقع من جميع الأمة». (تنزيه الأنبياء، ص188).
وقال المرتضى أيضًا: «وكيف يمكن أمير المؤمنين ﷺ الخلاف على من بايعه جميع المسلمين، وأظهروا الرضا به، والسكون إليه؟». (الشافي في الإمامة، 3/246).
قال شيخهم الحسن بن موسى النوبختي: «فصار مع أبي بكر السواد الأعظم والجمهور الأكثر، فلبثوا معه ومع عمر مجتمعين عليهما راضين بهما». (فرق الشيعة، النوبختي، ص185).
قال شيخهم الطبرسي: «وكان علي بن أبي طالب ﷺ لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته". (الاحتجاج، الطبرسي، 1/108).
ومن كلامهم يستبين التالي:
إلزام بالواقع: إذا كان علماء الشيعة الكبار يقرون بـ"اجتماع كلمة الناس" و"الرضا من جميع الأمة"، فكيف يزعم المتأخرون وقوع الظلم أو الغصب؟ الإجماع والرضا دليل شرعية قاطع.
إلزام بفعل أمير المؤمنين: اعتراف الطبرسي بأن علي رأى "طاعة الناس وتعظيمهم لأبي بكر" فسكت، يدل على أن تقديم الصديق كان رغبة أمة كاملة وليس مجرد تدبير أفراد. (الاحتجاج للطبرسي، 1/108).
الإلزام بالإجماع: الاعتراف بأن التسمية (خليفة رسول الله) قد وقع عليها "الإجماع" يقطع الطريق على من يحاول التشكيك في شرعية اللقب أو يزعم أنه لقب مبتدع؛ إذ إن الإجماع عند الشيعة لا ينعقد إلا بدخول "المعصوم" فيه، فإقرارهم بالإجماع هو إقرار ضمني بدخول علي بن أبي طالب في هذا المسمى.
وبما أن التسمية مجمع عليها، فلا يضر الاختلاف في "طريق الوصول" إليها (نصًّا أو شورى)، لأن النتيجة النهائية (وهي كونه خليفة رسول الله) حقيقة ثابتة بإقرارهم.
اعترافهم باللقب هو اعتراف بالوظيفة التي قام بها الصديق، وهي القيام مقام النبي ﷺ في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وهو عين ما يطلبه المسلمون من "الإمام".
رابعًا: هل الخلاف في طرق الاستدلال يبطل المسألة؟
لو سلمنا جدلًا أن كل مسألة يختلف في "طريق إثباتها" عند أهل السنة هي مسألة باطلة، للزم من ذلك بطلان دين الشيعة أيضًا؛ لأنهم اختلفوا وتنازعوا في أغلب مسائلهم. لكن أهل السنة لا يحتجون بمجرد وجود الخلاف على خطأ المسألة، لأن تعدد طرق الوصول للحق (نصًا أو شورى) يزيد الحق وضوحًا، ولا يعد تناقضًا إلا في عقول من يتبعون الهوى. (انظر: منهاج السنة النبوية، 1/507).
الخلاصة:
كلمة "خليفة رسول الله" وصف لغوي وواقعي لمن قام مقام النبي ﷺ في سياسة الأمة، ولا تشترط نصًا مكتوبًا بالضرورة.
خلافة الصديق اجتمع لها "النص النبوي بالإشارة" و"الشورى الصحابية بالتطبيق"، وتوافُق الأدلة هو قمة التمكين والشرعية.
اقرأ أيضا| زعمهم عدم حضور الصديق دفن النبي ﷺ والصلاة عليه
كتب الشيعة المعتمدة اعترفت صراحة بوقوع الإجماع، والرضا الشعبي، وتعظيم الناس للصديق، مما يُلزمهم بصحة خلافته بمنطقهم.
تعدد أقوال العلماء في طريق الثبات (نص أو شورى) هو إثراء للمسألة وليس تناقضًا، إذ الجميع متفق على النتيجة النهائية وهي أحقية الصديق بالخلافة.
لتحميل الملف pdf