أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

شبهة شرب الصديق رضي الله عنه للخمر

محتوى الشبهة:

زعمت الشيعة أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد شرب الخمر قبل تحريمها، بل ونسبوا إليه النوح على قتلى المشركين في بدر، واستدلوا على ذلك بما أورده أحمد العاصمي في كتابه «العسل المصفى» (2/136) نقلًا عن مسند البزار، وزعموا أنَّ الذي شرب الخمر وناح بالأبيات المشهورة هو الصديق، مستندين إلى الرواية التالية:

«وجدت في كتابي بخطي، عن أبي كريب؛ عن يونس بن بكير؛ عن مطر بن ميمون [قال]: حدثنا أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم تينًا وزبيبًا خلطناهما جميعًا؛ وكان في القوم رجل يقال له أبو بكر؛ فلما شرب قال:

أحيي أم بكر بالسلام * وهل لك بعد قومك من سلام؟

يحدثنا الرسول بأن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام؟

[قال]: فبينا نحن كذلك والقوم يشربون؛ إذ دخل علينا رجل من المسلمين فقال: ما تصنعون؟ إن الله تبارك وتعالى قد نزل تحريم الخمر.. الحديث".

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: رواية البزار ضعفها البزار نفسه وضعفها الهيثمي

إنَّ الرواية التي يتشبث بها مروجو هذه الشبهة تالفة الإسناد؛ فقد نص البزار على تفردها وغرابتها، كما أكد الهيثمي ضعفها لوجود "مطر بن ميمون"، وهو رجل متروك الحديث، وإليك بيان حاله بتمامه كما أورده ابن الجوزي:

«مطر بن مَيْمُون الْمحَاربي الإسكاف سمع أنس بن مَالك وَعِكْرِمَة، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ الْأَزْدِيّ: مَتْرُوك، مطر بن مَيْمُون الْمحَاربي، وَهُو ابْن أبي مطر الإسكاف، أَبُو خَالِد، يروي عَن أنسٍ وَعِكْرِمَة، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ ابْن حبَّان: يروي الموضوعات عَنِ الْأَثْبَات، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ» [الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، (3/124)].

ثانيًا: رواية مسند البزار أوضحت أنَّ المقصود رجل من كنانة

إنَّ التصحيف والتدليس هو أساس هذه الشبهة؛ فالحقيقة التي أوضحها مسند البزار هي أنَّ المقصود بـ"أبي بكر" هو رجل من قبيلة كنانة وليس الصديق التيمي، وإليك نص الرواية بتمامها كما وردت في المسند:

«وجدت في كتابي بخطي، عَن أبي كُرَيب عن يُونُس بن بكير، عن مطر بن ميمون، حَدَّثنا أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم تينًا وزبيبًا خلطناهما جميعًا، وَكان في القوم رجل يقال له: أَبْو بَكْر رجل من كنانة، فلما شرب قال:

أحيي أم بكر بالسلام * وهل لك بعد قومك من سلام؟

يحَدَّثنا الرسول بأن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام؟

فبينما نحن كذلك والقوم يشربون؛ إذ دخل علينا رجل من المسلمين فقال: ما تصنعون؟ إن الله تبارك وتعالى قد نزل تحريم الخمر...» [مسند البزار، (14/72) ح 7545].

فالنص صريح في أنَّ الشارب هو "أبو بكر بن شعوب الكناني"، وصرف هذا الكلام للصديق هو تحريف للحقائق وجهل مطبق بالأسماء والقبائل.

ثالثًا: الروايات الصحيحة والواقع التاريخي

ثبت بالنقل الصحيح أنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ترفعًا وصيانة لعقله، فكيف يشربها في الإسلام؟ وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني بتمامه:

«وَمِنَ الْمُسْتَغْرَبَاتِ مَا أَوْرَدَهُ ابنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا فِيهِمْ، وَهُو مُنْكَرٌ مَعَ نَظَافَةِ سَنَدِهِ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا غَلَطًا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ شُعْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَرَّمَ أَبُو بَكْرٍ الْخَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَشْرَبْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» [فتح الباري، (10/37)].

رابعًا: شرب الخمر قبل التحريم ليس عيبًا

حتى لو تنزلنا جدلًا بوقوع الشرب قبل التحريم، فإنه لم يكن محرمًا آنذاك، والمدح إنما هو في الامتثال الفوري للترك عند نزول التحريم، كما ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه بتمامه:

«كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ... فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ...» [صحيح البخاري، (3/132) ح 2464].

خامسًا: الصديق كان يقيم الحد على شارب الخمر

مما يقطع ببطلان هذه الفرية أنَّ الصديق رضي الله عنه كان يجلد شارب الخمر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت في الصحيحين، فكيف يجلد الناس على فعل يرتكبه؟ وإليك النص بتمامه:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْو أَرْبَعِينَ»، قَالَ: «وَفَعَلَهُ أَبُوبَكْرٍ» [صحيح مسلم، (3/1330) ح 1706].

سادسًا: التناقض الشيعي والاعتذار لشراب الخمر من رجالهم

يظهر التناقض الصارخ في طعنهم بالصديق بفرية كاذبة، بينما يستميتون في الاعتذار لمن ثبت شربه للخمر فعليًا من رجالهم، وإليك النقل التام من أهم كتب رجالهم في الاعتذار للسيد الحميري:

«عن فضيل الرسان قال: فسمعت نحيبًا من وراء الستر، فقال: من قال هذا الشعر؟ قلت: السيد ابن محمد الحميري، فقال: (رحمه الله)، قلت: إني رأيته يشرب النبيذ، فقال: (رحمه الله)، قلت: إني رأيته يشرب نبيذ الرستاق، قال: تعني الخمر؟ قلت: نعم، قال: (رحمه الله) وما ذلك على الله أن يغفر لمحب علي» [رجال الكشي، 390/532].

بل إن شرْبَ الخمر كان سمة ظاهره عند الشيعة، فقد روى شيخهم ابن بابويه القمي في العلل رواية طويلة وفيها: «قُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ مِنْ شِيعَتِكُمْ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُخِيفُ السُّبُلَ ويَزْنِي ويَلُوطُ ويَأْكُلُ الرِّبَا ويَرْتَكِبُ الْفَوَاحِشَ ويَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ والصِّيَامِ والزَّكَاةِ ويَقْطَعُ الرَّحِمَ ويَأْتِي الْكَبَائِرَ...» [علل الشرائع، الصدوق (2/606 – 609) ]

وللمزيد من هذه الاعتذارات المتناقضة ينظر: «تنقيح المقال» للمامقاني (13/279) في اعتذاره لأبي حمزة الثمالي، و«بحار الأنوار» للمجلسي (27/314) في تبرير شرب الشيعة للخمر.

سابعًا: بطلان الشبهة عقلًا وشرعًا

لو كان الصديق يشرب الخمر أو ينوح على المشركين، فكيف يختاره النبي صلى الله عليه وسلم لإمامة الصلاة وخلافته؟ وكيف يبايعه الصحابة وهم شهود على أحواله؟ إنَّ هذا الطعن هو طعن في اختيار النبوة وإجماع الصحابة، وهو ما لا يستقيم مع المتواتر من كمال عقل الصديق ووقاره.

الخلاصة:

بطلان السند: رواية البزار تالفة بـ "مطر بن ميمون" وهو متروك الحديث.

تصحيف الاسم: الشارب هو "أبو بكر الكناني" الشاعر، وليس الصديق التيمي رضي الله عنه.

نزاهة الصديق: ثبت قطعا أنَّه حرم الخمر على نفسه في الجاهلية صيانة لعقله.

إقامة الحد: الصديق هو من كان يجلد شارب الخمر، فكيف يُتهم بشربها؟!

اقرأ أيضا| شبهة الطعن في نسب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

فساد اللازم: الطعن في الصديق طعن في اختيار النبي له لإمامة الصلاة وخلافته.


لتحميل الملف pdf

تعليقات