أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

شبهة الطعن في نسب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

محتوى الشبهة:

زعم بعض الشيعة أنَّ والدة الصديق "أمَّ الخير" تزوجت من عمها أبي قحافة سفاحًا؛ بناءً على فهم خاطئ لسرد الأجداد في رواية ذكرها الهيثمي في «مجمع الزوائد» (9/40) وسكت عنها، حيث توهموا أنَّ أبا قحافة (عثمان بن عامر) قد تزوج من ابنة أخيه (سلمى بنت صخر بن عامر)، مما يعني وقوع نكاح المحارم في نسبه، وهو ادعاء يقوم على الجهل بقواعد الأنساب العربية والخلط في أسماء الأجداد.

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: وهن الرواية المنقولة وانقطاع سندها

إنَّ الرواية التي يتشبث بها مروجو هذه الشبهة أصلها عند الطبراني، وهي رواية ساقطة إسنادًا ولا تقوم بها حجة؛ نظرًا لوجود "ابن لهيعة" في سندها، وهو رجل معروف بالضعف والتدليس، وإليك ما أورده ابن الجوزي في بيان حاله بتمامه:

«عبد الله بن لَهِيعَة ابن عقبَة أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَضْرَمِيّ، وَيُقَال: الغافقي قَاضِي مصر، يروي عَن الْأَعْرَج وَأبي الزبير. قَالَ يحيى بن سعيد: قَالَ لي بشر بن السّري: لَو رَأَيْتَ ابْنَ لَهِيعَة لم تحملْ عَنهُ حرفًا، وَكَانَ يحيى بن سعيد لَا يرَاهُ شَيْئًا، وَقَالَ يحيى بن معِين: أنكر أهل مصر احتراق كتب ابْن لَهِيعَة وَالسَّمَاع مِنْهُ وَأخذ الْقَدِيم والْحَدِيث، هُو ضَعِيف قبل أن تحترق كتبه وَبعد احتراقها، وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: من كتب عَنهُ قبل احتراقها بِمثل ابْن الْمُبَارك والمقري أصح مِمَّن كتب بعد احتراقها، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: سَماع الْأَوَائِل والأواخر مِنْهُ سَوَاء إِلَّا ابْنَ الْمُبَارك وَابْنَ وهب كَانَا يتبعان أُصُوله وَلَيْسَ مِمَّن يحْتَج، وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ السَّعْدِيّ: لَا يَنْبَغِي أَن يحْتَج بروايته، وَلَا يعْتد بها، وَقَالَ ابْن وهب: كَانَ ابْن لَهِيعَة صَادِقًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِم بْن حبَّان: سبرت أَخْبَارَ ابْنِ لَهِيعَة فرأيته يُدَلس عَن أَقوامٍ ضعفاء على أَقوام ثِقَاتٍ قد رَآهُمْ، ثمَّ كَانَ لَا يُبَالِي مَا دفع إِلَيْهِ قَرَأَهُ، سَوَاء كَانَ من حَدِيثه أَو لم يكن من حَدِيثه، فَوَجَبَ التنكُّب عَن رِوَايَة الْمُتَقَدِّمين عَنهُ قبل احتراق كتبه؛ لِمَا فِيهَا من الْأَخْبَار المدلَّسة عَن المتروكين، وَوَجَب ترك الاحتجاج بِرِوَايَة الْمُتأَخِّرين بعد احتراق كتبه؛ لِمَا فِيهَا مِمَّا لَيْسَ من حَدِيثه» [الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، (2/136-137)].

إنَّ هذا النقد التفصيلي يكشف تهافت المستند الذي قامت عليه الشبهة؛ فابن لهيعة متروك الاحتجاج به عند فحول هذا الفن، والتعويل على روايته المنفردة في هدم الأنساب المستقرة هو مسلك لا يستقيم في ميزان التحقيق العلمي.

ثانيًا: خطأ الشبهة في تصوير القرابة بين الأبوين

الحقيقة التي أثبتتها أمهات كتب التاريخ والأنساب أنَّ أم الخير (سلمى بنت صخر) كانت "ابنة عم" لأبي قحافة وليست ابنة أخيه؛ فالرواية التي استندوا إليها تضمنت خطًا في سرد أسماء الأجداد، والنسب الصحيح الذي أثبتته المصادر هو أنَّ أم الخير هي (سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب)، وهذا مذكور في مصادر لا حصر لها، منها: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (30/13)، والطبقات لخليفة بن خياط (ص 48)، وتاريخ الطبري (3/425).

وبناءً عليه فإنَّ النكاح وقع بين ابنة عم وابن عمها، وهو نكاح مشروع ومحترم في كافة الشرائع والأعراف العربية، والطعن فيه ليس إلا وهمًا ناتجًا عن الخلط في السجلات التاريخية.

ثالثًا: الموقف الشرعي من أنكحة الكفار وتثبيت الأنساب

حتى لو سلمنا جدلًا بوقوع نكاح يراه الإسلام محرمًا في الجاهلية، فإنَّ القواعد الفقهية تقتضي إقرار أنكحة الكفار وتثبيت أنسابها الناتجة عنها، وقد بسط الشريف المرتضى هذا الأصل بتمامه قائلًا:

«فأما النواصب ومخالفو الشيعة فأنكحتهم صحيحة، وإن كانوا كفارًا ضلالًا، وليس يجب إذا لم يخرجوا ما وجب عليهم من حقوق الإمام أن تكون عقودُ أنكحتهم فاسدةً؛ لأن اليهودَ والنصارى مخاطَبون عندنا بشرائعنا ومعبَّدون بعباداتنا، وهم غير مخرجين من أموالهم هذه الحقوق وعقود أنكحتهم صحيحة.

وكيف يجوز أن نذهب إلى فساد عقود أنكحة المخالفين؟! ونحن وكل من كان قبلنا من أئمتنا عليهم السلام وشيوخنا نسبوهم إلى آبائهم، ويدعونهم إذا دعوهم بذلك، ونحن لا ننسب ولد زانية إلى من خلق من مائه ولا ندعوه به.

وهل عقود أنكحتهم إلا كعقود قَيْناتهم؟ ونحن نبايعهم ونملك منهم بالابتياع، فلولا صحة عقودهم لما صحت عقود تابعهم في بيع، أو إجارة، أو رهن، أو غير ذلك، وما مضى في المسألة من ذكر محمد بن أبي بكر وغيره من المؤمنين النجباء يؤكد ما ذكرناه، وهذا مما لا شبهة فيه» [رسائل الشريف المرتضى، (1/400)].

إنَّ هذا النقل التام يوضح أنَّ الأنساب التي انعقدت في الجاهلية أو حال الكفر لا تنقض، وأنَّ تسمية الأبناء لآبائهم (كما فعل الأئمة مع محمد بن أبي بكر) هو اعتراف ضمني بصحة هذه الأنساب، مما يجعل الطعن فيها اليوم خروجًا على الإجماع الفقهي والواقع التاريخي.

رابعًا: وجوب التفريق في الإسلام لو صح الزعم

إنَّ شريعة الإسلام تأمر بالتفريق الفوري بين الزوجين إذا كان بينهما مانع شرعي كأن يكون الزوج عمًا لزوجته؛ فلو كان ادعاء الشيعة صحيحًا، لوجب أن يفرق الإسلام بين أبي قحافة وأم الخير عند إسلامهما، وهذا لم يحدث أبدًا، مما يدل على بطلان ادعائهم، وإليك ما قرره قاضيهم ابن البراج في كتابه «المهذب» بتمامه:

«وإذا أسلم المشركُ أو الذميُّ وعنده من لا يحل نكاحها في الإسلام انفسخ النكاح، وإذا تزوج الذمي الذميَّة من محارمه وهو في دينهم جائز، فرفعت الزوجة خبرها إلى الحاكم وسألته إمضاء حكم الإسلام بينهما والزوج كاره لذلك لم ينظر بينهما، فإن تراضيا بحكمه أَمْضَى عليهما حكم الإسلام، وفرق بينهما فيما أوجب الحكم تفريقه» [المهذب للقاضي ابن البراج، (2/257)].

إنَّ عدم تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين أبي قحافة وزوجته عند إسلامهما هو البرهان العملي القاطع على أنَّ نكاحهما كان شرعيًا وموافقًا لأحكام الإسلام، فلو كان أبو قحافة عمًا لزوجته (بنت أخيه) لانفسخ النكاح فورًا بحكم الشريعة، وبقاء نكاحهما دليل على كذب فرية "نكاح المحارم".

خامسًا: شهادة علماء الشيعة بسلامة نسب الصديق

لقد اعترف كبار علماء الشيعة المتقدمين بنظافة نسب الصديق، وصرحوا بأنَّ أحدًا لم يجرؤ على القدح فيه، وهو اعتراف يسحق هذه الشبهة المعاصرة، وفي ذلك يقول نعمة الله الجزائري:

«أما أبو بكر فلم يتعرض أحد لنسبه بسوء لا من العامة ولا من الخاصة، وما يقال فيه وفي أصحابه إنما هو من قبيل المطاعن في الأفعال لا في الأنساب، وأما عدم الطعن عليه بالسوء، كما سيأتي في أنساب أمثاله، فلعله لأن الأئمة عليهم السلام من نسله، وذلك لأن أم فروة هي أم الصادق بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر» [الأنوار النعمانية، (1/68)].

فهذا الإقرار يثبت أنَّ الطعن في النسب هو اختراع متأخر لم يقل به حتى غلاة المتقدمين، بل إنَّ سلامة نسب الصديق كانت عندهم أمرًا مفروغًا منه لتعلقه بنسب الإمام الصادق عليه السلام.

سادسًا: لوازم الطعن وفسادها تجاه مقام الإمام الصادق

إنَّ التمادي في هذه الشبهة يجرُّ إلى لوازم فاسدة تهدم أصول المذهب وتسيء للأئمة؛ فقد ثبت يقينًا أنَّ الإمام جعفر الصادق هو حفيد لأبي بكر الصديق من جهة أمه، وكان يفتخر بذلك ويقول: «ولدني أبو بكر مرتين»، وهو ما أثبته المجلسي في «مرآة العقول» (6/25-26) بقوله: «وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر».

فمن يطعن في نسب الصديق، فهو يطعن بالضرورة في طهارة نسب الإمام الصادق، وهذا من أقبح اللوازم التي يهدم بها الطاعن مذهبه من حيث لا يشعر.

الخلاصة:

•          عزو الشبهة: تعود لفرية معاصرة تخالف النقل التاريخي وإقرار أئمة المذهب الشيعي أنفسهم.

•          وهن السند: الرواية المستند إليها مدارها على "ابن لهيعة" وهو ضعيف مدلس بشهادة أئمة الجرح والتعديل.

•          تحريف النسب: الحقيقة أنَّ أم الخير هي ابنة عم أبي قحافة (سلمى بنت صخر)، والخلط في الأسماء أدى لهذا التوهم.

•          الإلزام الفقهي: عدم تفريق الإسلام بين الأبوين عند إسلامهما يقطع بجواز نكاحهما وبطلان دعوى المحرمية.

•          إهانة الأئمة: الطعن في نسب الصديق هو طعن مباشر في نسب الإمام جعفر الصادق الذي ينتسب إليه ويفتخر به.

اقرأ أيضا|  رامي عيسى يفند الاستدلال بـ "حديث الغدير" على الإمامة في حوار مع متصل شيعي (فيديو)


لتحميل الملف pdf

تعليقات