أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ابتدع في الأذان زيادة: (الصلاة خير من النوم)

يزعم الطاعنون أنَّ زيادة "التثويب" في أذان الفجر ليست من السنة، وإنما هي بدعة أدخلها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

 يقول علي الشهرستاني في موسوعته: «فنحن لا نرى تنافيًا بين أن تكون بدعة التثويب هي بدعة عمرية أو بكرية، وفي الوقت نفسه أن تكون بدعة أموية أيضًا، وذلك لتبني اللاحق سيرة من سبقه من الخلفاء، فما كان في الصدر الأول من قبل الشيخين قد تبنته الدولة الأموية، وبالأخص في زمن معاوية الذي كان واليًا لعمر وعثمان لأكثر من عشرين سنة، فلا يبعد أن تكون الأموية هي التي نشرت التثويب في سائر الأمصار الإسلامية بعد أن كان العمل به مقتصرًا على المدينة أو بعض الحواضر، فالابتداع إذًا بدأ من الخليفة عمر بن الخطاب، ثم استقر كفعل رسمي في العهد الأموي». [موسوعة الأذان، علي الشهرستاني 2/259].

ويؤكد صباح البياتي هذا الزعم بقوله: «فإن أهل السُّنة يجيزون التصرف في الأذان، وقد حدث ذلك فعلًا أما الشيعة فينفون إمكانية التصرف في الأذان بالزيادة والنقصان؛ لأنه توقيفي كما قلنا. وتبعًا لذلك فقد خضع الأذان عند أهل السُّنة للاجتهاد والرأي، فزادوا فيه التثويب، وهو قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) في أذان صلاة الفجر». [لا تخونوا الله والرسول، ص 214].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ثبوت التثويب من السنة النبوية القولية والتقريرية

إنَّ دعوى "الابتداع العمري" تسقط أمام الحقائق الحديثية الثابتة في دواوين السنة؛ إذ ورد التثويب في أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يجعله تشريعًا نبويًّا لا اجتهادًا شخصيًّا.

1.           حكم الرفع لقول أنس: روى ابن أبي شيبة وابن خزيمة عن أنس رضي الله عنه قال: «من السُّنة إذا قال المؤذن: (حي على الفلاح) في أذان الفجر، قال: (الصلاة خير من النوم) مرتين». [سنن البيهقي 1/423].

وصححه ابن السكن والنووي؛ ومعلوم أنَّ قول الصحابي "من السُّنة" له حكم الرفع للنبي صلى الله عليه وسلم.

2.           تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة: ثبت في السنن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم هو من علم أبا محذورة رضي الله عنه التثويب، فقال له: «فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم». [صحيح سنن أبي داود 2/413].

3.           إقرار بلال رضي الله عنه: حين نادى بلال النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر وقيل له: إنه نائم، قال: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. [سنن ابن ماجة 1/237].

4.           الخلاصة العلمية: كيف يكون عمر رضي الله عنه مبتدعًا لزيادة علمها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي محذورة وأقرها لبلال وأجمع الصحابة على أنها "من السُّنة"؟ إنَّ هذا الزعم ينم عن جهل مطبق بمصادر التشريع الأول.

ثانيًا: اعتراف كتب الشيعة ومحاولات الالتفاف بالتقية

إنَّ الحجة تزداد قوة حين نجد أنَّ مرويات أهل البيت في المصادر المعتمدة عند الشيعة توافق ما جاء به أهل السُّنة، وهو ما ينسف دعوى انفراد عمر رضي الله عنه بهذا التشريع.

1.           روايات الطوسي المعتبرة: روى الطوسي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «النداء والتثويب في الأذان من السُّنة». وروى أيضًا عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أبي ينادي في بيته بالصلاة خير من النوم، ولو رددت ذلك لم يكن به بأس». [الاستبصار، الطوسي 1/308].

2.           أمر الصادق بالتثويب: روى المحقق الحلي عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «إذا كنت في أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم، بعد حي على خير العمل، وقل بعد الله أكبر، الله أكبر: لا إله إلا الله، ولا تقل في الإقامة: الصلاة خير من النوم، إنما هو في الأذان». [المعتبر في شرح المختصر 2/145].

3.           تهافت دعوى التقية: حاول الطوسي حمل هذه الأخبار على التقية، لكنَّ المحقق الحلي رد هذا التأويل بقوله: «لست أرى هذا التأويل شيئًا، فإن في جملة الأذان حي على خير العمل، وهو انفراد الأصحاب فلو كان للتقية لما ذكره، لكن الوجه أن يقال: فيه روايتان عن أهل البيت». [المصدر نفسه].

4.           الإلزام: بوجود روايتين عن أهل البيت، إحداهما موافقة لعمر رضي الله عنه، تسقط فرية الابتداع ويتحول الأمر إلى خلاف سائغ لديهم.

ثالثًا: الإلزام ببدعة الشهادة الثالثة واعتراف الصدوق بوضعها

بينما يتباكى الشهرستاني والبياتي على "توقيفية الأذان" للهجوم على عمر رضي الله عنه، نجد أنهم يشرعنون زيادة "الشهادة الثالثة" (أشهد أن عليًّا ولي الله) التي اعترف أئمة حديثهم بطلانها ووضعها من قِبل الغلاة.

1.           شهادة الصدوق القاصمة: يقول رئيس محدثيهم الصدوق في نص تاريخي واضح: «هذا هو الأذان الصحيح، لا يزاد فيه، ولا ينقص منه، والمفوضة لعنهم الله قد وضعوا أخبارًا، وزادوا في الأذان: "محمد وآل محمد خير البرية" مرتين، وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أن محمدًا رسول الله "أشهد أن عليًّا ولي الله" مرتين، ومنهم من روى بدل ذلك "أشهد أن عليًّا أمير المؤمنين حقًا" مرتين، ولا شك في أن عليًّا ولي الله، وأنه أمير المؤمنين حقًّا، وأن محمدًا وآله صلوات الله عليهم خير البرية، ولكن ليس ذلك في أصل الأذان، وإنما ذكرت ذلك؛ ليعرف بهذه الزيادة المتهمون بالتفويض، المدلسون أنفسهم في جملتنا». [من لا يحضره الفقيه 1/290].

2.           موقف الطوسي وكاشف الغطاء: قال الطوسي: «فمن عمل بها كان مخطئًا». [النهاية، ص 69]. وقال كاشف الغطاء: «إنما هو من وضع المفوضة الكفار، المستوجبين الخلود في النار، كما رواه الصدوق». [كشف الغطاء 3/144].

3.           تناقض الشهرستاني الفاضح: رغم اعتراف المتقدمين بوضعها، يزعم الشهرستاني الآن جزئيتها بقوله: «إن الشهادة الثالثة هي شطر الأذان وجزء منه كسائر الأجزاء، يجب الإتيان بها، وإن تركها أخلّ بالأذان». [أشهد أن عليًّا ولي الله في الأذان، ص 142].

4.           السؤال المُلزم: كيف تنكرون سُنّة نبوية (التثويب) شهدت بها كتبكم، ثم تلتزمون بزيادة (الشهادة الثالثة) أجمع كبار علمائكم على أنها من وضع "المفوضة الملعونين والكفار"؟ اليس هذا هو عين التلاعب بالدين؟!

الخلاصة:

1.           مشروعية التثويب: قول "الصلاة خير من النوم" سُنّة نبوية ثابتة بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لمؤذنيه وإقراره لهم، وليست من ابتداع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

2.           اعتراف مرويات الشيعة: روايات أهل البيت في "الاستبصار" و"المعتبر" تؤكد أنَّ التثويب "من السُّنة"، وتفند محاولات الهروب بـ "التقية".

3.           فضيحة الشهادة الثالثة: يتباكى القوم على توقيفية الأذان للنيل من عمر رضي الله عنه، بينما يضيفون للأذان ما أقر "الصدوق" و"الطوسي" و"كاشف الغطاء" أنه من وضع الغلاة والكفار والمفوضة.

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يعظم صخرة بيت المقدس

4.           الطعن في عمر رضي الله عنه في هذه المسألة هو قلب للحقائق وتجاهل للسنة الصحيحة، وتناقض صارخ يقع فيه الخصم بإنكار سُنّة نبوية وإثبات بدعة "مفوضة" ملعونة بشهادة كتبه.


لتحميل الملف pdf

تعليقات