أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم إحراق الصديق رضي الله عنه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم

يدعي الشيعة أن الصديق رضي الله عنه كان أول من سعى لإتلاف السنة النبوية، مستدلين برواية تزعم إحراقه لخمسمائة حديث كانت عنده؛ بدعوى خشية أن يكون قد نقلها عن أشخاص غير موثوقين، ويصورون هذا الفعل كأنه محاولة لطمس تراث النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول أحد كتابهم: «ولعل أوضح وثيقة تاريخية تحدثت وبشكل صريح عن إتلاف السنة النبوية المدونة هي التي روتها عائشة بنت أبي بكر؛ حيث قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرًا، قالت: فغمني، فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية، هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها..،» [فضائل أهل البيت بين تحريف المدونين وتناقض مناهج المحدثين، البلداوي، 1/31].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: الرواية ساقطة الإسناد ولا تصح تاريخيًّا

إن هذه القصة التي يطير بها القوم ليس لها زمام ولا خطام من حيث الصحة؛ فقد أوردها الإمام الذهبي في كتابه (تذكرة الحفاظ) وحكم عليها فورًا بالبطلان.

قال الإمام الذهبي: «فهذا لا يصح، والله أعلم» [تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/5]. وعلة هذه الرواية تكمن في سلسلة رواتها؛ ففيها "محمد بن موسى البربري" وهو ضعيف عند الدارقطني، وفيها "موسى بن عبد الله بن حسن" الذي قال عنه البخاري: «فيه نظر»، وهذه العبارة عند البخاري تعني أنه متهم أو متروك، وهو أسوأ حالًا من الضعيف. [الموقظة، الذهبي، ص19؛ القول المسدد، ابن حجر، ص10]. كما ذكر الحافظ ابن كثير أن في سندها "علي بن صالح" وهو رجل مجهول لا يعرف. [كنز العمال، 5/237].

ثانيًا: متن الرواية (على فرض الصحة) يدل على ورع الصديق

لو تنزلنا وسايرنا الخصوم بصحة الرواية؛ فإن فعل الصديق رضي الله عنه يُعد من أعلى مراتب الاحتياط والورع في الدين؛ إذ خشي أن يموت وفي جعبته أحاديث نقلها عن وسائط قد يخطئون، فيُنسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يقله.

فالأصل في الرواية هو التثبت، وهذا عكس المنهج الموجود في كتب الشيعة الذي يوجب تصديق الكذاب ما دام ينسب القول للأئمة؛ فقد رووا عن سفيان بن السمط قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، يأتينا الرجل من قبلكم يُعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: «إن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به، فإنك إنما تكذبني» [مختصر بصائر الدرجات، الحلي، 1/233].

ثالثًا: الصديق من رواة السنة النبوية

لو كان الصديق رضي الله عنه كارهًا لتدوين السنة أو راغبًا في إتلافها، فلماذا روى لنا أحاديث كثيرة حفظتها الأمة عنه؟ فقد بلغ عدد أحاديثه في (مسند أحمد) 81 حديثًا، وأفرد له المروزي كتابًا بعنوان (مسند أبي بكر الصديق) ضم 140 حديثًا. [مسند أبي بكر الصديق، المروزي، ص5].

فلو كان يحرق الأحاديث منعًا لنشرها، فكيف وصلت إلينا هذه الثروة العلمية من طريقه؟

رابعًا: إلزامات من واقع كتب الشيعة (همُّ زرارة بحرق الأحاديث)

إذا كان مجرد "الهم" أو "الفعل" بحرق الأحاديث طعنًا، فلماذا لا يطعنون في "زرارة بن أعين" (أكبر رواتهم) الذي همّ بحرق ما عنده من أحاديث الشيعة؟ روى القمي عن زرارة أنه قال: «دخلت على أبي جعفر عليه السلام فسألني: ما عندك من أحاديث الشيعة؟ قلت: إن عندي منها شيئًا كثيرًا قد هممت أن أوقد لها نارًا ثم أحرقها» [بصائر الدرجات، القمي، 1/256].

وقد علق عالمهم المجلسي على هذا بأن زرارة ربما أنكر أحاديث لم يحتملها عقله. [بحار الأنوار، المجلسي، 25/283].

فهل زرارة هنا "عدو للسنة"؟ أم أن الأمر يتعلق بالتحقق واليقين؟

خامسًا: واقع التدوين عند الشيعة

إننا نسأل الشيعة: أين هي أحاديث فاطمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتبكم؟ وأين هي أحاديث "إمام الزمان" المهدي المنتظر الذي تدعون غيبته؟

إن مجموع ما يرويه الصديق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفوق بمراحل ما يرويه هؤلاء في كتبكم المعتمدة، مما يدل على أن الصديق كان أمينًا على السنة، ناشرًا لها، محتاطًا في ثبوتها.

الخلاصة:

قصة إحراق الصديق للأحاديث باطلة إسنادًا باتفاق علماء الجرح والتعديل، ورواتها بين مجهول ومتروك.

الفعل المنسوب للصديق (إن صح) هو قمة الورع والاحتياط لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشية الخطأ في النقل.

الصديق رضي الله عنه روى أحاديث كثيرة دونت في المسانيد، مما يبطل دعوى سعيه لإتلاف السنة.

كتب الشيعة تعترف بأن كبار رواتهم (كزرارة) هموا بحرق الأحاديث لشكهم في مضامينها، فلماذا الكيل بمكيالين؟

اقرأ أيضا| زعمهم قتال الصديق لمن لم يرضَ بخلافته وتسميتهم أهل الردة

المنهج الشيعي يوجب قبول رواية الكذاب إذا نسبها للإمام، بينما منهج الصديق يوجب التثبت واليقين قبل الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


لتحميل الملف pdf

تعليقات