يزعم القوم أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قتل مالك بن نويرة وزنى بزوجته في ليلة واحدة، وأن الصديق رضي الله عنه عطل حد الله محاباة لخالد؛ لكونه "سيفًا من سيوف الله"، مما يعدونه طعنًا في عدالة الصديق وتطبيقه للشرع.
يقول عالمهم عبد الرسول الغفار: «ثم لم يجرِ الحد على خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة ودخل بزوجته من ليلته، فأي تعطيل للحدود ولحكم الله بعد هذا؟» (شبهة الغلو عند الشيعة، عبد الرسول الغفار، ١/١٨١).
ويقول عالمهم عماد الدين الطبري: «أشار عمر على أبي بكر بإجراء الحدِّ على خالد بن الوليد لزناه بزوج مالك بن نويرة، فأبى أبو بكر وقال: خالد سيف من سيوف الله» (تعريب كامل البهائي، الطبري، ١/١٧٨).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: تهافت الروايات التاريخية وعدم حجيتها
الاعتماد في الأحكام الشرعية (كالحدود) ونقض عدالة الصحابة بناءً على قصص تاريخية لم تثبت سندًا هو مسلك باطل علميًا، حتى عند الشيعة أنفسهم.
يقول عالمهم البحراني: «والاعتماد في الأحكام الشرعية على مجرد كلام المؤرخين محل إشكال» (الحدائق الناضرة، البحراني، ١٨/٣١٠).
والحقيقة أن روايات مقتل مالك بن نويرة مدارها على الكذابين والمتروكين؛ فرواية ابن سعد فيها (الواقدي) وهو متروك، وروايات الطبري مدارها على (سيف بن عمر التميمي) وهو "وضاع" باتفاق أئمة الجرح والتعديل، وقد حكم محقق تاريخ الطبري بضعف هذه الروايات جميعًا (صحيح وضعيف تاريخ الطبري، البرزنجي، ٨/٥٧).
ثانيًا: مالك بن نويرة ومنع الزكاة
المتفق عليه تاريخيًّا أن مالك بن نويرة منع الزكاة وحبس إبل الصدقة، وهذا يجعله مستحقًا للقتال بإجماع المسلمين.
فقد أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة واعتبارهم مرتدين (مسائل الإيمان، القاضي أبو يعلى، ص٣٣٠)، بل إن هذا الحكم ثابت عند الشيعة أيضًا؛ إذ يقول عالمهم كاشف الغطاء: «فمن خالف في ترك زكاة أو خمس..، حاربوه، ولحاكم المسلمين..، محاربته» (كشف الغطاء، جعفر كاشف الغطاء، ٤/٣٦٧). وعليه، فقتل خالد لمالك كان بناءً على امتناعه عن ركن من أركان الإسلام، وهو فعل مشروع لا يوجب قصاصًا.
ثالثًا: كذب دعوى الزنا والدخول بالزوجة في ليلتها
أما الفرية القائلة بأن خالدًا دخل بزوجة مالك في نفس الليلة، فهي كذب لم يثبت، والأصل في المسلم السلامة حتى يثبت العكس بالدليل القطعي.
فالثابت أن خالدًا تزوج "ليلى بنت سنان" (امرأة مالك) بعد انقضاء عدتها أو استبرائها وفقًا لقوانين الإسلام في السبي (تاريخ الخلفاء الراشدين، محمد طقوش، ص٧٩).
والادعاء بأنه زنى بها في نفس الليلة يحتاج إلى أربعة شهود عدول، وهو ما لم ولن يأتوا به، فبطلت الدعوى وصارت قذفًا لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: بطلان الروايات المنسوبة لعمر والصديق
الروايات التي تزعم أن عمر رضي الله عنه وصف خالدًا بـ "عدو الله" وأراد رجمه، هي روايات تالفة سندًا ومتنًا.
سندًا: مدارها على (محمد بن حميد الرازي) وهو "كذاب"، و(سلمة بن الفضل) وهو "ضعيف"، و(محمد بن إسحاق) وهو "مدلس"، و(طلحة التيمي) وهو "مقبول" (أي ضعيف) ولم يدرك القصة أصلًا (تقريب التهذيب، ابن حجر، ص٢٨٢؛ لسان الميزان، ابن حجر، ٤/٢٤٧).
متنًا: لو كان عمر يرى خالدًا "عدوًا لله" وزانيًا وقاتلًا، لم يكن ليسكت عنه الصديق، ولما سكت عمر نفسه حين تولى الخلافة عن رجمه أو قتله، فهل يُعقل أن يترك الفاروق حدًا من حدود الله؟ هذا طعن في عمر قبل خالد.
خامسًا: إلزام الشيعة بتعطيل علي رضي الله عنه للحدود في كتبهم
إذا اتهموا الصديق بتعطيل الحد (وهو باطل)، فبماذا يجيبون عما ورد في أصح كتبهم من تعطيل علي رضي الله عنه لفرائض الحدود؟
فقد ورد في "الكافي" أن رجلًا أقر عند علي رضي الله عنه باللواط أربع مرات طالبًا التطهير، فخيرة علي بين القتل أو الحرق، فلما اختار الرجل الحرق وبكى، قال له علي: «قم يا هذا، فقد أبكيت ملائكة السماء..، فإن الله قد تاب عليك» (الكافي، الكليني، ١٤/٧٩؛ وقال المجلسي: حسن).
والسؤال هنا: كيف يعفو الإمام عن حدٍ من حدود الله بعد الإقرار والاعتراف؟ أليس هذا تعطيلًا للحدود بزعمكم؟
سادسًا: الإلزام بموقف علي من قتال المرتدين
يزعم الشيعة أن مالك بن نويرة لم يرتد، فنقول لهم: إذا كان مؤمنًا، فلماذا لم ينصره علي بن أبي طالب؟ ولماذا لم يدافع عنه؟ بل إن مرويات الشيعة تذكر أن عليًّا لم يقاتل (أبا بكر) لقلة الناصر (أقل من أربعين رجلًا)، وهذا يدل على أن عامة الناس -ومنهم من قتله خالد- كانوا عند علي في صف المخالفين الذين يستحقون القتال (على مبنى الشيعة في الردة).
سابعا: ردة مالك بن نويرة من كتب الشيعة
الموقف الشيعي العام هو الدفاع عن مالك بن نويرة لغرض الطعن في خالد بن الوليد، إلا أن هناك إشارات في بعض كتب السير والتواريخ التي يعتمدونها تدل على "منع الزكاة" وهو ركن من أركان الإسلام، ومنها:
الاعتراف بمنع الزكاة وتفريقها: تذكر المصادر التاريخية (التي ينقل منها الشيعة أيضًا) أن مالكًا فرق الإبل على قومه بمجرد سماع موت النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في الفقه الإسلامي خروج على إجماع الأمة في ركن الزكاة.
جاء في كتاب (الفتوح) لابن أعثم الكوفي (وهو مصدر يعتمده الشيعة كثيرًا): «إن مالك بن نويرة لما بلغه موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبض الصدقة التي كانت عنده وقال: يا بني يربوع، إنما كان هذا الرجل يأخذ من أموالكم ليدفعها إلى غيركم، فإذ قد مات فكلوا أموالكم فهي لكم حلال» [كتاب الفتوح، ابن أعثم، 1/20].
الإقرار بصحة اجتهاد الصديق في قتال مانعي الزكاة: روى الشيعة في كتبهم أن عليًا رضي الله عنه لم يعترض على أصل قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، بل شارك في المشورة وساند الصديق، وهذا إقرار ضمني بأن من فعل فعل مالك (من منع الزكاة وتفريقها) يستحق القتال.
جاء في (نهج البلاغة) في رسالة علي رضي الله عنه إلى أهل مصر: «فأمسكتُ يدي حتى رأيتُ راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا أو هدمًا» [نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص 443].
ومالك بن نويرة كان من رؤوس هذه "الراجعة" التي أمسكت عن الزكاة.
الخلاصة:
١- قصص مقتل مالك بن نويرة والزنا بزوجته هي روايات تاريخية تالفة، أبطالها "كذابون ووضاعون" مثل سيف بن عمر والواقدي.
٢- مالك بن نويرة قتل لامتناعه عن أداء الزكاة، وقتال مانعي الزكاة أمر مجمع عليه عند السنة والشيعة على حد سواء.
٣- دعوى الدخول بزوجة مالك في نفس الليلة فرية بلا دليل، والثابت هو الزواج الشرعي بعد انقضاء العدة أو الاستبراء.
٤- الروايات التي تزعم نزاع عمر مع الصديق في خالد هي روايات منقطعة وضعيفة، وتحتوي على منكرات تتصادم مع مروءة الصحابة وغيرتهم على الدين.
٥- كتب الشيعة تروي أن عليًّا رضي الله عنه عفا عن "حد اللواط" بعد الإقرار، فمن باب أولى أن يكفوا عن اتهام الصديق بتعطيل الحدود.
اقرأ أيضا| دعوى تناقض أهل السنة في خلافة الصديق بين النص والشورى
٦- لو كان مالك بن نويرة مؤمنًا مظلومًا، لكان أولى الناس بنصرته علي رضي الله عنه، وسكوت علي دليل على بطلان هذه الفرية.
لتحميل الملف pdf