يدعي القوم أن الصديق رضي الله عنه خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم بإحراقه للفجاءة السلمي، ويزعمون أن هذا دليل على اجتهاده في مقابلة النص وتجاوزه للحدود الشرعية.
يقول عالمهم أحمد حسين يعقوب: «نماذج من اجتهادات الخلفاء: الفجاءة السلمي..، فأمر أبو بكر فأوقد له نارًا في مصلى المدينة على حطب كثير، ثم رُمي فيها مقموطًا» (الخطط السياسية، ص٤٠٨).
ويقول التيجاني: «كما ترك سنَّة النبيِّ صلى الله عليه وآله في حرقه الفجاءة السلمي، وقد نهى النبيُّ عن ذلك» (الشيعة هم أهل السنة، ص٢٨٢).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية وسقوط أسانيدها تاريخيًّا
إن قصة إحراق الفجاءة لم تصح من وجه متصل، بل مدارها في كتب التاريخ على الكذابين والمجاهيل والمدلسين:
رواية الطبري الأولى: فيها (سيف بن عمر التميمي) وهو متروك ووضاع باتفاق أئمة الجرح والتعديل، وفيها (شعيب بن إبراهيم) وهو مجهول وفيه نكارة (ميزان الاعتدال، الذهبي، ٢/٢٧٥).
رواية الطبري الثانية: فيها (محمد بن حميد الرازي) وهو كذاب باتفاق (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، ٣/٥٤)، وفيها عنعنة (ابن إسحاق) وهو مدلس مشهور لا يُحتج بعنعنته (تعريف أهل التقديس، ابن حجر، ص٥١).
رواية فتوح البلدان: فيها (داود بن حبال) وهو مجهول لا ترجمة له، والسند معضل لا تقوم به حجة.
ثانيًا: الثابت أن الحرق كان "بفتوى علي" رضي الله عنه
إن الروايات التي يُعتد بها (إن صحت) تذكر أن الصديق لم ينفرد بهذا الحكم، بل استشار الصحابة، وكان "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه هو صاحب الرأي في ذلك في حق من ارتكب جريمة قوم لوط.
فقد روى البيهقي أن خالدًا وجد رجلًا يُنكح كما تُنكح المرأة، فاستشار الصديقُ الصحابة، فقال علي رضي الله عنه: «نرى أن نحرقه بالنار..، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله على ذلك» (السنن الكبرى، البيهقي، ٨/٤٠٥).
وهذا ثابت في كتب الشيعة أيضًا: «أن أبا بكر أوتي برجل ينكح في دبره، فقال: يا علي ما الحكم فيه؟ قال: أحرقه بالنار..، فأحرقه أبو بكر بقول علي» (الجعفريات، ص١٢٧؛ مستدرك الوسائل، النوري، ١٨/٧٩).
فكيف يطعنون في الصديق لفعله أمرًا أفتى به إمامهم المعصوم عندهم؟
ثالثًا: ثبوت التحريق عن علي رضي الله عنه في أصح المصادر
إن كان التحريق بالنار طعنًا في الصديق، فهو طعن في علي رضي الله عنه من باب أولى؛ لأن فعله للتحريق ثابت في أصح كتب السنة والشيعة.
عند أهل السنة: ثبت في صحيح البخاري أن عليًّا أُتي بزنادقة (ممن ادعوا فيه الألوهية) فحرقهم بالنار (صحيح البخاري، ٦/٢٥٣٧).
عند الشيعة: رووا عن الصادق عليه السلام قوله عن عبد الله بن سبأ: «إن عليًّا استتابه فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار» (رجال الكشي، ١/١٠٧).
وفي "الكافي" أن عليًّا حفر حفرتين لقوم ادعوا ربوبيته وأوقد فيهما النار حتى ماتوا (الكافي، الكليني، ١٤/٢٣٧؛ وقال المجلسي: حسن).
رابعًا: الفجاءة السلمي كان قاطع طريق وقتالًا للمسلمين
حتى لو صحت قصة الفجاءة (على سبيل التنزل)، فهو لم يكن مجرد مرتد، بل كان غادرًا خائنًا، استلم السلاح من الصديق ليقاتل المرتدين، فصار يقتل المسلمين ويأخذ أموالهم، فهو محارب لله ولرسوله، والتمثيل به -إن وقع- كان من باب السياسة الشرعية والزجر عن عظيم غدره، ومع ذلك فالقصة لم تثبت كما سلف.
خامسًا: توبة الصديق (على فرض الصحة)
يروي بعض المؤرخين ندم الصديق عند موته على أمور، منها قصة الفجاءة، وهذا -إن صح- يرفع الدرجة ولا يحطها، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والندم توبة، وهذا دليل على شدة ورعه وتقواه وخوفه من ربه حتى في الأمور التي اجتهد فيها. (انظر صحيح البخاري كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة ٦/٢٥٣٧، 6/٦٩٢٢) و(الكافي، الكليني، ١٤/٢٣٧، وقال المجلسي في "مرآة العقول" ٢٣/٤٠١: حسن)
الخلاصة:
١- قصة حرق الفجاءة السلمي رواية ساقطة إسناديًا، أبطالها "وضاعون وكذابون" كابن حميد الرازي وسيف بن عمر.
٢- الثابت في مرويات الفريقين أن الصديق أحرق رجلًا "بفتوى من علي بن أبي طالب" رضي الله عنه في جريمة قوم لوط، فكيف يذمون الصديق ويمدحون صاحب الفتوى؟
٣- التحريق بالنار ثابت عن علي رضي الله عنه في حق الغلاة والزنادقة في أمهات كتب الشيعة (كالكافي ورجال الكشي)، وهذا ينسف طعنهم في الصديق تمامًا.
٤- يزعم الشيعة أن الإمام له الحق في تعطيل الحدود أو اختيار نوع العقوبة (كما في رواية اللواط السابقة)، فلماذا يحرمون على الصديق ما يبيحونه لأئمتهم؟
٥- الفجاءة السلمي كان غادرًا قاطعًا للطريق، وقتالُ الغادر والمحارب واجب شرعي، وتصرف الصديق (لو ثبت) كان سياسة شرعية لردع الخونة.
اقرأ أيضا| دعوى تأخر بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما
٦- طعن الشيعة في الصديق بهذه القصة يرتد وبالًا على علي رضي الله عنه؛ لأنهم يثبتون له نفس الفعل، فإما أن يكون كلاهما مصيبًا أو كلاهما مخطئًا، وهم لا يجرؤون على تخطئة الإمام.
لتحميل الملف pdf