يدعي القوم أن موقف الحسن والحسين رضي الله عنهما من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كان موقف احتجاج ورفض، ويستدلون بقول الحسن للصديق وهو على المنبر: «انزل عن مجلس أبي»؛ ليزعموا أن الصغير كان يرى عدم أحقية أبي بكر بالخلافة.
يقول عالمهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي تحت عنوان (احتجاج الحسن والحسين): «وكم لرجالات بني هاشم يومئذ من أمثال هذه الاحتجاجات، حتى أن الحسن بن علي جاء إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: انزل عن مجلس أبي» (المراجعات، شرف الدين الموسوي، ١/٥٨٢).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الرواية منقطعة وضعيفة عند أهل السنة
هذه الرواية لا تصح من الناحية الحديثية؛ لعلل واضحة في أسانيدها تمنع الاحتجاج بها.
فقد جاءت الرواية من طريق عبد الرحمن الأصبهاني، وهو تابعي لم يدرك زمان أبي بكر الصديق، مما يجعل الرواية "منقطعة" (معجم ابن الأعرابي، ٢/٤٢٦؛ تاريخ دمشق، ابن عساكر، ٣٠/٣٠٧).
كما أن في الطريق الأول (أسامة بن زيد بن أسلم)، وقد قال عنه الإمام أحمد: «منكر الحديث ضعيف»، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء» (الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، ١/٩٥).
وعليه؛ فالرواية ضعيفة بسبب الانقطاع وضعف الرواة، ولا تقوم بها حجة في أمر عظيم كالإمامة.
ثانيًا: الرواية في كتب الشيعة تدمُر عقيدة العصمة
لو استدل القوم بهذه الرواية من كتبهم، لوقعوا في إحراج عظيم ينسف أصل "العصمة" و"العلم اللدني" للأئمة وهم صغار.
فقد ورد في كتبهم عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ: «لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ صَعِدَ الْمِنْبَرَ..، فَسَبَقَ الْحُسَيْنُ فَانْتَهَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا مِنْبَرُ أَبِي لَا مِنْبَرُ أَبِيكَ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: صَدَقْتَ..، فَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ الْغُلَامَ إِنَّمَا يَثَّغِرُ فِي سَبْعِ سِنِينَ، وَيَحْتَلِمُ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيُسْتَكْمَلُ طُولُهُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَيُسْتَكْمَلُ عَقْلُهُ فِي ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّجَارِبِ» (الجعفريات، محمد بن أشعث الكوفي، ١/٢١٢).
فالرواية تُظهر أن عليًّا رضي الله عنه لم يقر ابنه على هذا الفعل، بل اعتذر للصديق بأن الغلام لم يستكمل عقله بعد؛ وهذا يصدم عقيدتهم بأن الإمام معصوم وكامل العقل منذ ولادته.
ثالثًا: موقف الصديق يُثبت محبته وتواضعه
بدلًا من أن تكون الرواية طعنًا في أبي بكر، فهي تزكية له؛ إذ أظهرت رقته وتواضعه وصدقه مع آل البيت.
فأبو بكر لم يغضب من الصبي، بل أجلسه في حجره وبكى، وصدّقه في أن المنبر منبر جده صلى الله عليه وسلم. وتصديقه هذا ليس اعترافًا ببطلان خلافته، بل هو إقرار بحقيقة أن المنبر هو "منبر النبي"، والخلافة لا تقتضي وراثة الأثاث أو المنبر ماديًا، بل وراثة المنهج والعلم؛ فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم (صحيح البخاري، ١/٢٤).
رابعًا: جهل الأئمة في الصغر في فقه الشيعة
بناءً على نصوص عالمهم ومحققهم، فإن الصغير -ولو كان إمامًا عندهم- قد يجهل بعض الأحكام، وهذا يسقط الاحتجاج بمواقفهم في سن الطفولة.
قال عالمهم محمد تقي المجلسي: «ويمكن حمل النهي في غير الداخل على الكراهة..، أو يكون صغيرًا غير مكلف، والجهل عليهم في الصغر» (روضة المتقين، المجلسي الأول، ٤/١٦٦).
وقد ورد في (الكافي) أن جعفر الصادق كان يؤذي الطيور (الخطاف) في الحرم وهو صغير، فنهاه أبوه علي بن الحسين (الكافي، الكليني، ٦/٢٢٤). فإذا كان الإمام يجهل الحكم الشرعي في الصغر، فكيف يُحتج بقوله في قضايا سياسية ومصيرية كالإمامة؟
خامسًا: جواز تأديب الإمام إذا أخطأ
ثبت في تراث القوم أن الإمام الصغير قد يحتاج للتأديب والضرب من أجل مصلحته، مما يعني عدم إدراكه للحقائق كاملة.
فقد ورد في "روضة المتقين" عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ دَايَةَ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (ع) تُلْقِمُهُ الْأَرُزَّ وَتَضْرِبُهُ عَلَيْهِ، فَغَمَّني مَا رَأَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ (ع) فَقَالَ لِي: أَحْسَبُكَ غَمَّكَ مَا رَأَيْتَ مِنْ دَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى، قُلْتُ لَهُ: نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَالَ لِي: نِعْمَ الطَّعَامُ الْأَرُزُّ..،» (روضة المتقين، المجلسي الأول، ٤/١٦٦).
فالإمام يُضرب ويُؤدب على طعام لا يعرف مصلحته فيه؛ فالمعصوم -في صغره- لا يعرف مصلحة نفسه باعترافهم، فكيف يعرف مصلحة الأمة في الخلافة؟
سادسًا: المنبر ليس وراثة مادية لبني هاشم
إن قول الحسن «منبر أبي» يقصد به منبر جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنبر يرثه من يقوم مقام النبي في تبليغ العلم والدين، وليس وراثة نَسَبية.
فالشيعة اليوم يطلقون على منبرهم اسم "المنبر الحسيني"، ويصعده الخطباء من كل الأجناس، ولا يقال إنهم اغتصبوه؛ لأن المقصود نسبة الفضل والعلم، لا التملك والوراثة المادية التي قُطعت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} (الأحزاب: ٤٠).
الخلاصة:
١- الرواية ضعيفة ومنقطعة عند أهل السنة؛ لوجود أسامة بن زيد (ضعيف) وعبد الرحمن الأصبهاني (لم يدرك الصديق).
٢- الرواية في كتب الشيعة (الجعفريات) تدين عقيدتهم؛ لأنها تُثبت نقص عقل الإمام في الصغر باعتراف علي رضي الله عنه.
٣- موقف الصديق من الحسن يُبين مدى رحمته وتوقيره لآل البيت، حيث بكى وأجلس الصغير في حجره ولم يزجره.
٤- اعترف عالمهم المجلسي الأول بجواز الجهل على الأئمة في صغرهم، مما يسقط أي دلالة احتجاجية لقول الحسن وهو طفل.
٥- ثبوت ضرب وتأديب الأئمة في صغرهم عند الشيعة يُبطل دعوى عصمتهم وعلمهم المطلق منذ الولادة.
اقرأ أيضا| زعمهم ندم الصديق لكشفه بيت فاطمة عليها السلام
٦- المنبر ليس مُلكًا شخصيًّا يورث، بل هو مقام لتبليغ العلم، وأبو بكر كان أحق الناس بالقيام مقام النبي صلى الله عليه وسلم.
لتحميل الملف pdf