أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه شرب الخمر بعد تحريمها

من افتراءات القوم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اتهامه بشرب الخمر بعد تحريمها، وأنه كان مدمنًا لها.

قال ناصر حسين الموسوي الهندي: «إن عمر بن الخطَّاب كان مدمنًا للخمر منهمكًا في الشراب، وأخباره في هذا الباب لا تخفى على أولي الألباب، فكيف يزعم أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام يزوج ابنته الطاهرة عليها السلام بمثل هذا؟!، ومن المعلوم أنَّ أهل الإسلام، ولو كانوا من العوام والهمج والرعاع والطغام، يستنكفون أن يزوجوا بناتهم من الشُّرَّاب، ويعدون ذلك مستوجبًا لأشد العذاب، فكيف يقدم على ذلك أمير المؤمنين عليه السلام؟ إن هذا من مفتريات المولعين بالبهت واللهو والكذاب». وأورد عدة روايات، يتعلق كثيرٌ منها بالنبيذ. [إفحام الأعداء والخصوم، ناصر حسين الموسوي الهندي، ص 118].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: دور الفاروق التاريخي في التدرج بتحريم الخمر وتغليظ عقوبتها

 لقد كان عمر رضي الله عنه من أحرص الصحابة على طهارة المجتمع من الرجس، وهو الذي سأل الله أن ينزل فيها قولًا شافيًا.

فعن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاءً، فنزلت الآية التي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاءً، فنزلت الآية التي في النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى}، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: "ألا لا يقربن الصلاة سكران"، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شفاء، فنزلت هذه الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}، قال عمر: انتهينا» [سنن أبي داود، برقم 3670].

إن من المحال عقلًا ومنطقًا أن يكون الرجل الذي يستعجل الوحي بالتحريم، ويخطب في الناس محذرًا منها على المنبر قائلًا: «أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل» [صحيح البخاري، برقم 4619]، أن يكون هو نفسه من ينهمك في شربها؛ بل إن سياسته العملية في الخلافة قامت على تغليظ الحد إلى ثمانين جلدة بعد استشارة الصحابة [صحيح مسلم، برقم 1706]، مما يقطع الطريق على أي فرية تدعي تهاونه مع هذا المنكر.

ثانيًا: النبيذ الحلال في اللغة والشرع وتبرئة الفاروق من الخلط المتعمد

 لا يوجد في كتب السنة والآثار أثر واحد يثبت شرب عمر للخمر بعد التحريم، وإنما غاية ما يتمسك به الطاعنون هو شربه لـ"النبيذ" في قصة وفاته حين سقاه الطبيب ليعاين جرحه.
 

والنبيذ في لغة العرب والشرع نوعان: نوع مسكر وهو الخمر، ونوع حلال وهو الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب ليحلو طعمه قبل أن يغلي أو يختمر، وهذا النوع شربه النبي ﷺ وأجازه.

قال النووي: «وهذا النبيذ: ماء محلى بزبيب أو غيره؛ بحيث يطيب طعمه، ولا يكون مسكرًا، فأما إذا طال زمنه وصار مسكرًا فهو حرام" [شرح النووي على مسلم، 9/64].

وبما أن الصحابة رضي الله عنهم -وهم أشد الناس إنكارًا للمنكر- حضروا واقعة سقي عمر للنبيذ ولم ينكروا عليه، دل ذلك يقينًا على أنه النوع الحلال المباح، والخلط بين المصطلحين هو تدليس اصطلاحي مكشوف يهدف لتضليل العوام.

ثالثًا: إلزام الخصم بما ورد في كتب الشيعة من إباحة النبيذ

لقد ثبت في مروياتكم أن الأئمة أباحوا هذا النبيذ ووصفوه بالحلال؛ روى الكليني بسنده عن حنان بن سدير قال: «سمعت رجلًا وهو يقول لأبي عبد الله: ما تقول في النبيذ، فإن أبا مريم يشربه ويزعم أنك أمرته بشربه؟! فقال: صدق أبو مريم، سألني عن النبيذ فأخبرته أنه حلال، ولم يسألني عن المسكر..،» [الكافي، 6/415].

وقد وصف المجلسي هذا الحديث في (مرآة العقول، 22/275) بأنه "موثق". فإذا كان أئمتكم يقرون بحلية النبيذ لـ "أبي مريم"، فكيف تستبيحون الطعن في عمر لفعلٍ أقره أئمتكم في كتبكم؟ إن هذا التناقض يثبت أن الطعن لم يكن نابعًا من غيرة على الدين، بل من هوى سياسي يحاول إسقاط عدالة الفاروق بأي ثمن.

رابعًا: المفارقة بين اتهام الفاروق والاعتذار لرواتكم "السكارى"

من أشد صور التناقض في المنهج الشيعي هو اتهام عمر بنبيذ حلال، في مقابل الاستماتة في الدفاع عن رواة ثبت شربهم للمسكر المحض:

1.     أبو حمزة الثمالي: رغم ثبوت شربه للمسكر، قدم له المامقاني في (تنقيح المقال، 13/279) اعتذارات غريبة، منها ادعاء الجهل بالحرمة أو الشرب لعلة مرضية، وهذا كفيل بنسف عدالتهم في نقد الرجال؛ إذ كيف يعذر الراوي بالشرب ويقدح في الخليفة بالنقيع الحلال؟!

2.     أبو هريرة البزاز: الذي ترحم عليه الإمام الصادق رغم شربه للخمر قائلًا: «أيعزز على الله أن يغفر لمحمد بن علي شرب النبيذ والخمر؟" [شعب المقال، النراقي، ص 328].

فإذا كان الله يغفر لشرب الخمر عندكم، فلماذا جعلتموها مطعنًا في عمر رضي الله عنه؟

3.     أبو نجران التميمي: الذي روى الكشي في (رجاله، ص 320) أنه كان يسكر حتى يترك الصلاة، ومع ذلك زكّاه الإمام بادعاء أن له "قدمًا ثابتة في المودة".

وهنا يتجلى الميزان المائل؛ فالمودة عند القوم تغفر السكر وترك الصلاة، أما صحبة عمر وجهاده وبناؤه للدولة وتحريمه للخمر فلا تشفع له عندهم في شرب ماء محلى بالتمر!

الخلاصة:

•      عمر رضي الله عنه هو من سأل الله تحريم الخمر، وهو من عرفها على المنبر، وهو من غلظ حدها؛ مما ينفي عنه فرية الإدمان شرعًا وعقلًا.

•      النبيذ الذي شربه عمر هو "النقيع الحلال" الذي شربه النبي ﷺ وأقره علماء الفريقين، والطعن فيه هو جهل باللغة أو تدليس في الاصطلاح.

•      كتب الشيعة المعتبرة (كالكافي) تثبت حلية النبيذ، مما يجعل إنكارهم على عمر مصادمًا لمرويات أئمتهم.

•      المنهج الشيعي يتناقض في قبول رواية السكارى (كالثمالي وأبو نجران) والاعتذار لهم، بينما يطعن في الفاروق بفعل مباح، وهذا يسقط عدالة نقدهم التاريخي.

اقرأ أيضا| تفنيد عقيدة غيبة الإمام.. اعترافات مفاجئة لمتصل شيعي في حوار مع الشيخ رامي عيسى (فيديو)

•      ثبوت مصاهرة علي رضي الله عنه لعمر يقتضي كفاءة الدين والخلق، فلو كان عمر كما يزعمون، لكان ذلك قدحًا في اختيار علي رضي الله عنه، وحاشاه.


لتحميل الملف pdf

تعليقات