يحاول الشيعة تصوير الصديق رضي الله عنه في مظهر المتطاول على آل البيت، بزعم أنه نطق بألفاظ منكرة في حق علي وفاطمة رضي الله عنهما، وهي فرية تعتمد على مرويات لا تصح سندًا ولا متنًا حتى في موازين الشيعة أنفسهم.
ويذكرون أنه صعد المنبر بعد خطبة فاطمة رضي الله عنها وقال: «ما هذه الرِّعَةُ إلى كل قَالَةٍ؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة، هو الذي يقول: كروها جذعة بعدما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي».
يقول علي الخليلي في هذا السياق: «ألا تعجب بعد هذا إلى قول أبي بكر حينما شبه عليًّا وزوجته الطاهرةَ بالثعلب وذيله، وحينما شبه عليًّا بأم طحالٍ الزانية!» (أبو بكر بن أبي قحافة، علي الخليلي، ص٣٧٨).
ويقول جعفر مرتضى العاملي: «إن أبا بكر قد شبَّه عليًّا وفاطمة عليهما السلام بثعالة (أي الثعلب) شاهده ذنبه، ثم شبه عليًّا وهو يستعين بالسيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بأم طحالٍ، أحب أهلها إليها البغي» (الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام، العاملي، ١٠/١٣٦).
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: تهافت المصدر وانقطاعه
هذا الكلام منقول من كتاب لا أصل له في دواوين الإسلام المعتبرة، بل هو تجميع قام به أحد المعاصرين من كتب شيعية متأخرة.
فإن الشيعة يحيلون هذا الكلام إلى كتاب «السقيفة وفدَك» لأبي بكر الجوهري، وهذا الكتاب إنما هو كتاب شيعي، جمعه محمد هادي التميمي، قال الجوهري في مقدمة كتابه: «ولما كانت أحاديث وروايات الجوهري مبثوثةً في طيات الكتب والمعاجم وتعتبر بحق نصوصًا تاريخية وأدبية، أخذت على نفسي جمعها ولمها من ثنايا الكتب وجعلها في كتب خاصة مستقلة باسمه، مع ذكر المراجع التي نقلت وأخذت منه» (السقيفة وفدك، الجوهري، ص١٢)؛ وقال أيضًا: «غير أنه لم يحفظ التاريخ لنا منه كتابًا ولا رسالة ولا ورقة» (المرجع السابق، ص١٢).
وعليه، فالمصدر مفقود تاريخيًا، وما بين أيدينا هو تجميع شيعي معاصر، فضلًا عن أن بين الجوهري وبين من نقل عنه (ابن أبي الحديد) فجوة زمنية تزيد عن ٣٠٠ سنة؛ وهو انقطاع يسقط أي رواية تاريخية.
ثانيًا: حقيقة الناقل ابن أبي الحديد
يزعم المحتجون بهذه الشبهة أن ابن أبي الحديد معتزلي محايد، إلا أن كبار علمائهم كشفوا تستر مذهبه الحقيقي.
قال محمد تقي المجلسي (الأول): «ويسمى هؤلاء بالتفضلية، منهم ابن أبي الحديد والدواني على المشهود فيما يفهم من أكثر كلامهما، لكن صرَّحَا في مواضع بالتشيع وهو الظن بهما وبأمثالهما، والظاهر من أمثال هؤلاء الفضلاء أنهم كانوا محقين، ولكن كانوا بحيث لا يمكنهم إظهار الحق في دولة الباطل واشتهارهم، ففروا إلى إظهار هذا المذهب؛ ليمكنهم إظهار أفضلية علِي عليه السلام على الصحابة» (روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، المجلسي الأول، ٢/٤٩٨).
فالرجل عند مراجع الشيعة "شيعي متستر" يروي ما ينصر مذهبه، فلا يُحتج بكلامه على أهل السنة، خاصة وأنه صنف كتابه لوزير شيعي هو ابن العلقمي مقابل صلة مالية وخلعة وفرس.
ثالثًا: جهالة "الجوهري" وتحريف توثيقه
أبو بكر الجوهري، الذي نُسبت إليه الرواية، هو شخص مجهول الحال لا يُعتد بروايته عند الفريقين.
فأما عند أهل السنة فهو مجهول، وقال عنه الألباني: «هو من رجال الشيعة المجهولين» (سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١٠/٧١٩).
وأما عند الشيعة فقد صرح عالمهم الخوئي بجهالته قائلًا: «على كل حال فالرجل لم تثبت وثاقته؛ إذ لا اعتداد بتوثيق ابن أبي الحديد» (معجم رجال الحديث، الخوئي، ٢/١٤٢).
أما ما يذكره الشيعة من توثيق له في "تاريخ بغداد"، فهو تدليس مكشوف؛ إذ إن الكلام هناك لم يكن للجوهري بل لراوٍ آخر هو (الضبي)، وقد حرف الشيعة النص من «لا يحفظ حديثًا» إلى «يحفظ حديثًا ثقة»! وهو ما وصفه المحقق بشار عواد معروف بأنه «تحريف قبيح» (تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ت: بشار معروف، ٤/٢٢٤).
رابعًا: بطلان السند (الوضاعون والمجاهيل)
عند فحص رجال الرواية نجدها محشوة بالكذابين والمجاهيل الذين لا تقوم بهم حجة.
فالرواية تمر عبر (محمد بن زكريا الغلابي)، وقد قال عنه الإمام الدارقطني: «محمد بن زكريا بن دينار الغلابي يضع الحديث» (سؤالات الحاكم، الدارقطني، ص١٤٨). أما الراوي الآخر (جعفر بن محمد)، فقد قال فيه علي النمازي الشاهرودي: «جعفر بن محمد بن عمارة الكندي: لم يذكروه» (مستدركات علم رجال الحديث، الشاهرودي، ٢/٢٠٩)؛ وإضافة لجهالته، فالرواية منقطعة زمنيًا بأكثر من قرن.
خامسًا: الطعن في مروءة لي بن أبي طالب
تحتوي هذه الرواية على قذف شنيع للسيدة فاطمة رضي الله عنها، وهو ما لا يقبله عقل مؤمن في حق علي رضي الله عنه.
فكيف يسكت علي رضي الله عنه على وصف زوجته وبضعة نبيه بـ"أم طحال البغي"؟ إن القول بصحة الرواية يعني أن عليًّا سكت وأقر القاذف على قذفه، وهذا غاية الطعن في شجاعته وغيرته ومروءته؛ مما يقطع بأن الرواية مكذوبة صاغتها أيدي الرافضة وأرادوا بها ذم الصديق، فذموا عليًّا من حيث لا يشعرون.
سادسًا: مخالفتها لليقين الثابت
تتعارض هذه المرويات الساقطة مع ما ثبت باليقين من حب الصديق وتوقيره لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد صح عنه في البخاري أنه قال: «والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي» (صحيح البخاري، ٥/٢٠)؛ وقال أيضًا: «ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته» (صحيح البخاري، ٥/٢١). فاليقين الثابت لا يزول بشكوك الروايات المكذوبة والمنقطعة.
الخلاصة:
١- الرواية موضوعة؛ لأن في سندها (الغلابي) وهو كذاب وضاع، وفيها (جعفر الكندي) وهو مجهول عند الشيعة.
٢- مصدر الرواية مفقود تاريخيًا، والناقل (ابن أبي الحديد) شيعي متستر باعتراف المجلسي والطهراني والقمي.
٣- وقع الشيعة في تحريف قبيح لنصوص الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" لمحاولة توثيق الجوهري زورًا.
٤- متن الرواية يمثل طعنًا صريحًا في غيرة ومروءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحاشاه من ذلك.
اقرأ أيضا| زعمهم ندم الصديق لكشفه بيت فاطمة عليها السلام
٥- الثابت الصحيح في البخاري يثبت محبة الصديق لآل البيت وتقديمهم على نفسه، وهو ما ينسف هذه الفرية تمامًا.
لتحميل الملف pdf