أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم تعارض حديث «لا نورث» مع القرآن

يطعن الشيعة في حديث الصديق رضي الله عنه: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث»، ويزعمون أنه يعارض نصوص القرآن التي تثبت وراثة الأنبياء، مثل قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: 16]، وقوله عن زكريا عليه السلام: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: 6]. ونسبوا لفاطمة عليها السلام خطبة -لم تثبت- تقول فيها للصديق: "أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟". (الأسرار الفاطمية، محمد فاضل المسعودي ص485).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: إقرار كبار علماء الشيعة بأن الميراث "علم" لا "مال"

إن المفاجأة الكبرى هي أن أكابر محققي الشيعة أقروا بأن الآيات التي استدل بها أصحاب الشبهة لا تقصد ميراث المال، بل ميراث النبوة والعلم، وإليك البرهان من كتبهم:

اعتراف النراقي: قال صاحب (مستند الشيعة) عند تفسير آية زكريا: «إنّما طلبه لأن يرث منه العلم والنبوة دون المال... وكيف يمكن لهم حمل الإرث في الآية على إرث المال وهم الذين‌ يروون عن النبي (ص) أنَّه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث دينارًا ولا درهمًا؟!». (مستند الشّيعة، النراقي 19/148).

اعتراف ناصر مكارم الشيرازي: في تفسيره "الأمثل" ذكر قرائن تمنع كون الميراث مالًا، منها: أن زكريا نبي عظيم لا يشغل فكره في شيخوخته توريث الثروة، بل الصفات المعنوية ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. (تفسير الأمثل 9/405).

اعتراف الحويزي: ذكر في تفسيره عن الإمام الرضا (ع) عند ولادة ابنه الجواد قوله: «إن الله قد وهب لي من يرثني ويرث آل داود»، وهذا صريح في وراثة الإمامة والعلم لا الذهب والفضة. (تفسير نور الثقلين 3/323).

ثانيًا: وراثة الأنبياء في ميزان اللغة والشرع

الوراثة في اللغة تأتي بمعنى الخلافة في الشيء، ومنه حديث: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ». (لسان العرب 2/201).

في شأن سليمان: لو كان الميراث مالًا، لما خُصَّ به سليمان وحده من بين تسعة عشر ولدًا لداود عليه السلام. (تفسير القرطبي 13/164). فتخصيص سليمان دليل على أنه ورث النبوة والملك.

في شأن زكريا: كان زكريا فقيرًا يعمل نجارًا، والأنبياء أزهد الناس في جمع الأموال ليخافوا عليها من العصبة (الأقارب). (فتح الرحمن في تفسير القرآن 5/118).

ثالثًا: قاعدة "تخصيص العام بالخاص" عند الشيعة

يدعي الخصم أن حديث الصديق يعارض "عموم" آيات المواريث في سورة النساء. الرد من أصولهم: أقر علماء الشيعة الأصوليون بأن السنة تخصص عموم القرآن.

يقول الشريف المرتضى: «وأما تخصيصه (الكتاب) بالسنة فلا خلاف فيه... وقد خصص عموم ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ قوله (ص): لا يرث القاتل، ولا يتوارث أهل ملتين». (الذريعة، المرتضى 1/279).

إلزام قوي: الشيعة أنفسهم خصصوا آيات المواريث بروايات تقول: «النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئًا». (الكافي 7/127)، فكيف تقبلون تخصيص القرآن برواية تمنع الزوجة حقها، وترفضون تخصيصه بحديث نبوي متواتر يخص الأنبياء؟!

رابعًا: التناقض الصارخ في دعوى "الهبة" و"الميراث"

استدلال الشيعة بآيات المواريث (مثل آية سليمان وزكريا) هو إبطال لدعواهم السابقة بأن فدكًا كانت "نِحلة" أو "هبة" في حياة النبي. فإذا كانت هبة، فلا يصح الاستدلال بآيات الميراث، وإذا كانت ميراثًا، بطلت دعوى الهبة، وهذا التضارب يثبت تهافت الشبهة.

الإلزامات المنهجية:

إلزام "ميراث العلم": روى الحر العاملي أن محمد بن علي (ابن الحنفية) طلب من أخويه الحسن والحسين "ميراثه من أبيه"، فقالا له: "أبوك لم يترك صفراء ولا بيضاء"، فقال: "ليس ميراث المال أطلب، بل ميراث العلم". (كلمات الإمام الحسين 1/198)، فإذا كان علي بن أبي طالب لم يورث ابنه مالًا، فلماذا تلومون الصديق؟

إلزام "العصمة": نحن ننزه فاطمة عليها السلام أن تجهل أن السنة تخصص الكتاب، أو أن تستدل بآيات وراثة "النبوة" على وراثة "النخيل والأرض"، بل هذه الخطب مخترعة عليها لإحداث الفتنة.

الخلاصة:

الإرث في آيات الأنبياء هو إرث (علم ونبوة وملك) بإجماع المفسرين واعتراف محققي الشيعة (كالنراقي والشيرازي).

حديث «لا نورث» هو مخصص لعموم آيات المواريث، وهذا المنهج (التخصيص) معمول به عند الفريقين.

اقرأ أيضا| إنكار بيعة علي بن أبي طالب للصديق رضي الله عنهما

مصادر الشيعة تؤكد أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وأن عليًا نفسه لم يترك مالًا يورث.


لتحميل الملف pdf

تعليقات