في تقريرٍ توثيقي، استعرض الدكتور رامي عيسى، الباحث في الشأن الشيعي، تفاصيل بيعة العقبة الثانية، مستندًا إلى الروايات الواردة في كتب السيرة والحديث، ومؤكدًا دورها المحوري في تمهيد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة.
وأوضح أن الحديث في الحلقة الماضية تناول إرسال النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنهما لتعليم من آمن من الأوس والخزرج، لتأتي بعدها بيعة العقبة الثانية بوصفها محطة مفصلية في التاريخ الإسلامي.
ونقل عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قوله: «ثم بعثنا الله فأتمرنا واجتمعنا سبعين رجلاً منا، فقلنا: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة».
وبيّن أن هذه البيعة روت تفاصيلها كتب السيرة، كما أخرجها الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند حسن، عن كعب بن مالك رضي الله عنه، الذي قال: «خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، نعم المشركين كانوا يحجون وحج باطل، ولكن هؤلاء آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج».
وأضاف: «وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا»، موضحًا أن تعليمهم كان على يد مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، في دلالة على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على نشر العلم، حتى بإرسال رجل كفيف ليعلّم الناس.
وتابع كعب بن مالك رضي الله عنه روايته قائلاً: «فلما توجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة خرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه، فلقينا رجلًا من أهل مكة فسألناه عنه، فقال: هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟ قلنا نعم، وكان لا يزال يقدم علينا تاجراً، فقال: إذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس».
وأضاف: «فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاعر؟ قال: نعم».
وأشار كعب رضي الله عنه إلى أن موعد البيعة كان في أوسط أيام التشريق، قائلاً: «فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين».
وبيّن أن عبد الله بن عمرو بن حرام كان يومئذ مشركًا، فخاطبوه قائلين: «يا أبا جابر، إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا»، فدعوه إلى الإسلام وأخبروه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وشهد معهم العقبة وكان نقيبًا.
وأوضح كعب رضي الله عنه: «نمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلًا، ومعنا امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة رضي الله عنها، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت أم منيع رضي الله عنها».
وأضاف: «فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له».
وبيّن أن العباس بن عبد المطلب كان أول المتكلمين، فقال: «يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، وهو في عز من قومه ومنعة في بلده».
اقرأ أيضا| فضيحة "العمل بالصبيان".. رامي عيسى يحرج "الزهيري" بوثائق شيعية (فيديو)
وتابع: «فقلنا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت». فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، ودعا إلى الله عز وجل، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».
وأشار إلى أن البراء بن معرور رضي الله عنه أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر».
وفي رواية أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة».
وختم جابر بن عبد الله رضي الله عنه بقوله: «فقمنا نبايعه».
اقرأ أيضا| رامي عيسى يواجه "أبو حيدر" بتساؤلات حول "دعاء غير الله".. وهروب بعد طرح قضية "نفع الرضيع"
لتحميل الملف pdf