زعم الشيعة أن عمر رضي الله عنه كان يمنع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من الحج [أحاديث أم المؤمنين عائشة، مرتضى العسكري، 1/88].
واستدلوا بما رواه ابن سعد في طبقاته قال: «أخبارنا محمد بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب منع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة" [الطبقات الكبرى، ابن سعد، 8/208].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: سقوط الأثر نقدًا وسندًا
إن الأثر المستدل به ساقط من الناحية الحديثية ولا تقوم به حجة؛ لأن في سنده محمد بن عمر الواقدي، وهو راوٍ متروك مجمع على وهنه وسقوط مروياته عند أئمة الجرح والتعديل؛ قال الإمام الذهبي: «محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم، الواقدي صاحب التصانيف، مجمع على تركه» [المغني في الضعفاء، الذهبي، 2/619].
وقال ابن عدي: «يروي أحاديث غير محفوظة والبلاء منه»، ونقل عن النسائي قوله: «كان يضع الحديث" [المغني في الضعفاء، 2/619]. وقال الحافظ ابن حجر: «متروك مع سعة علمه» [تقريب التهذيب، ابن حجر، 1/882]. فكيف يُحتج برواية تالفة في سندها كذاب ومتروك لتأسيس مطعن في الفاروق؟!
ثانيًا: ثبوت حج عمر بأمهات المؤمنين في الصحيح
إن المروي في الأصول الصحيحة والتواريخ المعتمدة يثبت عكس الفرية تمامًا؛ حيث كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من مكنهنّ، وحج بهنّ بنفسه، ووفر لهنّ الحماية والإجلال؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أنه: «أذن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف" [صحيح البخاري، 3/19].
وعن تفصيل هذه الحجة المباركة، روى ابن الجوزي بإسناده قالوا: «حج عمر بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، معهن أولياؤهن ممن لا تحتجبن منه، وجعل في مقدم قطارهن: عبد الرحمن بن عوف، وفي مؤخره: عثمان بن عفان..،» [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي، 4/327].
فهذا النص الصحيح يبين أن عمر لم يمنعهن قط؛ بل سيّر ركابهن مع كبار الصحابة إمعانًا في إكرامهن وصيانتهن.
ثالثًا: كتمان مناسك الحج في مرويات الشيعة
من باب الإلزام؛ فإن مرويات الشيعة المعتمدة تثبت أن أئمتهم (علي، والحسن، والحسين، والسجاد) كتموا علم الحج عن شيعتهم طيلة عقود؛ حتى جهلوا تمامًا كيف يحجون بيت الله الحرام:
• روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله قال: «..، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر، وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر، ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم..،» [الكافي، 2/19-21]، وحكم المجلسي على هذه الرواية بقوله: «صحيح بسنديه» [مرآة العقول، 7/108].
فإذا كان شيعة الأئمة الأربعة الأوائل قد عادوا لا يعرفون كيف يحجون بسبب كتمان العلم عنهم بحسب روايتهم الصحيحة؛ فمن الذي صدّ الناس ومنعهم من الحج حقيقة؟!
رابعًا: صرف الناس عن الكعبة إلى المقابر والمشاهد
إن المتأمل في نصوص المعتقد الشيعي يجد صرّفًا تعبديًّا صريحًا للناس عن بيت الله الحرام وتوجيههم نحو القبور والمشاهد؛ بل وتفضيل بعض البقاع المبتدعة على مكة المكرمة:
• روى المجلسي في بحاره عن علي بن الحسين قال: «اتخذ الله أرض كربلاء حرمًا آمنًا مباركًا قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرمًا بأربعة وعشرين ألف عام..، ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنة» [بحار الأنوار، 101/107].
• ونقل محسن الأمين عن الصادق قال: «إن لله حرمًا وهو مكة، ولرسوله حرمًا وهو المدينة، ولأمير المؤمنين عليه السلام حرمًا وهو الكوفة، ولنا حرمًا وهو قم» [أعيان الشيعة، 5/246].
• بل روى الكليني بسنده عن الإمام الصادق قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى يتجلى لزوار قبر الحسين عليه السلام قبل أهل عرفات، ويقضي حوائجهم، ويغفر ذنوبهم، ويشفعهم في مسائلهم، ثم يثني بأهل عرفات يفعل بهم ذلك» [الكافي، 4/580].
• وروى المجلسي في بحاره عن أحد أصحابهم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ربما فاتني الحج أو أحب أن أحج، فأصلي عندك بقبر الحسين عليه السلام في يوم عرفة، قال: «أحسنت يا منصور، من زار الحسين عليه السلام يوم عرفة عادلاً بقبره، كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وألف غزوة مع نبي مرسل» [بحار الأنوار، 101/87].
• ونقل الحر العاملي رواية أخرى عن الصادق جاء فيها: «من زار قبر الحسين عليه السلام يوم عرفة، كتب الله له مائة ألف حجة، ومائة ألف عمرة، ومائة ألف غزوة مع نبي مرسل» [وسائل الشيعة، 14/462].
• وروى ابن قولويه في كتاب المزار المعتمد لديهم عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «مَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ع كَانَ كَمَنْ زَارَ اللَّهَ فِي عَرْشِهِ» [كامل الزيارات، 147]، كما ذكرها الطوسي في تهذيب الأحكام، [6/45].
إن هذه النصوص الصادمة لا تمثل مجرد مبالغات في ثواب العبادات، بل هي نسف حقيقي لركن الحج، وتأسيس لدين موازٍ يقدم المشاهد والأضرحة على بيت الله الحرام الذي جعله الله قياماً للناس؛ ويتضح انحراف هذه الروايات من خلال الأوجه التالية:
• المصادمة الصريحة للقرآن الكريم: لقد فرض الله الحج إلى بيته العتيق وجعله ركناً من أركان الإسلام بنص قاطع: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فجاءت هذه الروايات لتبطل صريح القرآن، وتجعل كربلاء مقصداً بديلاً ومقدماً على مكة، بل وتجعل الباري جل وعلا يتجلى لزوار القبر قبل أهل عرفات، وفي هذا من تقديم البقاع المبتدعة على المشاعر المقدسة ما فيه.
• الوقوع في وثنية المضاهاة والتشبيه: إن القول بأن زائر القبر «كمن زار الله في عرشه» هو قمة الغلو والشرك؛ إذ فيه مضاهاة للمشهد المخلوق بالعرش الإلهي، وتشبيه الخالق بالمخلوق بحلوله في مكان (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً)، وهو مسلك دخيل على الإسلام يُحاكي طقوس الأمم الوثنية القديمة في تعظيم القبور.
• إسقاط الشريعة بتهوين أركانها: حين تُمنح زيارة واحدة لقبر مئة ألف حجة وعمرة، فإن النتيجة التلقائية لدى عامة الشيعة هي الزهد في بيت الله الحرام، والاستخفاف بفرائض الدين؛ طالما أن رحلة قصيرة إلى المشهد تمنحهم أمثال أجور الأنبياء والمرسلين، وهو ما تفسره الأعداد المليونية التي تزحف إلى كربلاء في عرفة والأربعين، في مقابل التزهيد المستمر في مشاعر الحج والعمرة.
• الاضطراب والتهافت العددي: تظهر علامات الوضع والكذب بوضوح في تضارب الأرقام بين الروايات؛ فمرة الزيارة تعدل ألف حجة [بحار الأنوار، 101/87]، وتارة تقفز بلا ضابط إلى مائة ألف حجة [وسائل الشيعة، 14/462]، وهذا التناقض العددي الفاحش هو السمة البارزة للأحاديث الموضوعة التي يختلقها الغلاة لترويج بضاعتهم الكاسدة.
الخلاصة:
• بطلان رواية المنع: تبين بالدليل الحديثي أن الأثر المستدل به ساقط موضوع؛ لتفرد "الواقدي" به وهو متروك ومجمع على كذبه وضعفه.
• إكرام عمر لأمهات المؤمنين: أثبتت الرواية الصحيحة في صحيح البخاري والمنتظم أن عمر حج بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة له، ووضع على ركابهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف حمايةً وإجلالًا.
• إلزام الخصوم بجهل المناسك: كشفت الروايات الصحيحة في كتاب "الكافي" أن الشيعة طوال أربعة عهود من أئمتهم لم يكونوا يعرفون مناسك الحج؛ مما يثبت تقصيرهم في تبليغ الفريضة.
• استبدال الكعبة بالمشاهد: أثبت التحقيق من بطون كتبهم (كالبحار والأعيان) وجود نصوص ترفع قدر كربلاء وقم فوق مكة المكرمة؛ مما يمثل صرفًا حقيقيًّا للمسلمين عن حج بيت الله الحرام وتوجيههم نحو القبور والمزارات.
لتحميل الملف pdf