يُثير الشيعة ومراجعهم زوبعةً من الإنكار حول الأحاديث الواردة في فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ زاعمين أنَّ بعضها يخالف العقل والدين، ومحاولين تصوير هذه المناقب وكأنَّها تتصادم مع مقام النبوة، بينما يقعون هم فيما استنكروه حين ينسبون الأوصاف ذاتها لأئمتهم.
فاستنكروا ما ورد في حق الفاروق رضي الله عنه من أحاديث تدل على أهليته المفترضة للنبوة لو لم تُختم به صلى الله عليه وسلم، فزعم عالمهم محمد حسن المظفر قائلًا: «يطلب منا أن نروي ما يخالف العقل والدين، كالأخبار القائلة: «لو لم أبعث لبعث عمر»، و«لو كان نبي بعدي لكان عمر»، المستلزمة لجواز بعثة من سبق منه الكفر» [دلائل الصدق لنهج الحق، محمد حسن المظفر، 6/100].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الميزان العلمي في نقد الروايات
يجب التمييز بين الروايات من حيث القبول والرد وفق القواعد الحديثية؛ فليس كل ما نُسب للنبي صلى الله عليه وسلم هو عند أهل السنة سواء:
1. الحديث الأول: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر»؛ هذا الحديث أخرجه ابن عدي في [الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، 5/324]، وابن الجوزي في [الموضوعات، ابن الجوزي، 1/320].
وهو إسناد ضعيف جدًّا؛ حيث فيه (عبد الله بن واقد الحراني) وهو متروك الحديث، كبر فساء حفظه وكان يدلس؛ وفيه (مصعب بن سعيد أبو خيثمة) وهو صدوق يخطئ وله مناكير ويدلس. وقد حكم عليه ابن عساكر بالغرابة وأنَّ لفظه غير محفوظ.
2. الحديث الثاني: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب»؛ أخرجه الترمذي في [سنن الترمذي، 5/619]؛ وقال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان».
والحديث فيه مقال بين أهل العلم؛ فمنهم من ضعفه كالإمام أحمد، ومنهم من حسنه كالألباني [السلسلة الصحيحة، 327].
ثانيًا: فقه الحديث ودلالة الفضل
على فرض صحة الحديث؛ فإنَّ الغرض منه بيان عظيم فضل عمر رضي الله عنه، وليس إثبات نبوةٍ فعلية له.
• الحديث إشارة صريحة إلى ختم النبوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقوله: «لكان عمر» يعني لكان أولى الناس بها لو قُدّر وجودها؛ وذلك لقوته في الحق وفقهه بمراد الشارع.
• ثبت موافقة عمر للقرآن في عدة مواطن، وهو ما جعل ابن حجر يقول: «خص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم من الواقعات التي نزل القرآن بها، ووقع له بعده عدة إصابات» [فيض القدير، المناوي، 5/325].
• لا يلزم من هذا الحديث تفضيل عمر على أبي بكر رضي الله عنهما؛ لأنَّ المقامات تُؤخذ بجملة الأدلة لا بحديث واحد.
وزعَم عالمهم اللكهنوي أنَّ هذا الحديث يبطل ترتيب الخلفاء [شوارق النصوص، ص468]، وهو زعم باطل؛ لأنَّ هذه الأمور لا تُبنى على المقاييس العقلية المحضة، ولو أراد الله لآتاه أسبابها.
ثالثًا: حقيقة مقام الإمامة عند الشيعة (نبوة بالمعنى)
يستنكر مراجع الشيعة هذا الحديث حفظًا لمقام النبوة بزعمهم؛ بينما هم يرفعون الأئمة إلى مقام الأنبياء حقيقةً ومعنى.
يقول عالمهم المجلسي: «ولا نعرف سببًا لعدم اتصافهم بالنبوة إلا رعاية جلالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، ولا يصل عقولنا إلى فرق بين النبوة والإمامة» [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلسي، 2/290].
كما زعم عالمهم علي الميلاني قائلًا: «كان لعلي، ولفاطمة، وللحسنين سهم في تقدم الإسلام، كان علي شريكًا لرسول الله في رسالته» [محاضرات في الاعتقادات، علي الميلاني، 1/49].
رابعًا: ثبوت اللفظ ذاته لعلي رضي الله عنه في كتبهم
من التناقض العجيب أنَّ مراجع الشيعة رووا هذا الحديث نفسه وجعلوه لعلي بن أبي طالب؛ فما كان "مخالفًا للعقل والدين" في حق عمر، أصبح "منقبة مأثورة" في حق علي!
روى عالمهم الحر العاملي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «هل فيكم من قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي، ولو كان نبيّ بعدي لكنته يا علي غيري؟» [إثبات الهداة، الحر العاملي، 3/89].
كما قال الخميني ناقلًا عن أستاذه شاه آبادي: «لو كان علي عليه السلام ظهر قبل رسول الله صلى الله عليه وآله لأظهر الشريعة كما أظهر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكان نبيًّا مرسلًا، وذلك لاتحادهما في الروحانية والمقامات المعنوية والظاهرية» [مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، الخميني، 163].
خامسًا: الفقيه الحليم كاد يكون نبيًّا في تراثهم
لم يكتفوا بنسبة ذلك لعلي؛ بل عمموا مقام "كاد أن يكون نبيًّا" لغير المعصومين أيضًا.
روى عالمهم الكليني عن الرضا عن أبيه قائلًا: «رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قوم في بعض غزواته فقال: من القوم؟ فقالوا: مؤمنون يا رسول الله.. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلماء علماء، كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء» [الكافي، الكليني، 2/48].
الخلاصة:
• التفريق الحديثي: أهل السنة يميزون بين الضعيف والحسن؛ فحديث «لو لم أبعث» ضعيف جدًّا، وحديث «لو كان بعدي نبي» فيه مقال، والاحتجاج به يكون في دائرة المناقب لا التشريع.
• إثبات الفضل: الحديث يُثبت عبقرية عمر وفقهه وإلهامه الذي شهد به الوحي، وهو تأكيد لختم النبوة لا خدش فيه.
• الازدواجية المنهجية: يستنكر مراجع الشيعة الحديث في حق الفاروق بدعوى حماية النبوة، بينما يثبتونه لعلي بن أبي طالب بنصه، بل ويجعلون الأئمة أنبياء في المعنى.
• تهافت الاستدلال: قولهم إنَّ عمر رضي الله عنه سبق منه الكفر يمنع نبوته هو قول باطل؛ فمعظم الأنبياء والرسل بعثوا في أقوام مشركين وهداهم الله، والإسلام يجبُّ ما قبله، وهذا من أعظم دلائل قدرة الله وفضله.
• الغل القلبي: يظهر أنَّ الاستنكار ليس علميًّا؛ بل هو طعنٌ لأجل الطعن، وتناقضٌ يكشف أنَّ المعيار عندهم هو الشخص لا النص.
اقرأ أيضا| زعمهم قول الفاروق رضي الله عنه عن القرآن: «ذهب منه كثير»
• كلمة جامعة: يقول الإمام ابن تيمية: «فالفضيلة بكونه لو كان نبي لكان هو، لا تقتضي أن يكون نبيًّا، بل تقتضي كمال استعداد وصفات تؤهله لذلك لو كان ممكنًا، وهذا أبلغ في المدح» [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 6/56].
لتحميل الملف pdf